أكّد رئيس الجمهورية ميشال سليمان ان لا شراكة مع الجيش والقوى الأمنية في الأمن والسيادة، مشددا على ان السلاح المنتشر عشوائيا مرفوض، وقال: "لا للضغط على الزناد من أجل مصالح خارجة عن مصالح الدولة، ولحياد لبنان عن سياسة المحاور".
كلام سليمان أتى خلال كلمته في الإحتفال الّذي أقامته المؤسسة العسكرية في ثكنة شكري غانم في الفياضية لمناسبة العيد السابع والستين للجيش، حيث جرى تخريج دفعة جديدة من الضباط، بعد أن تلا كل من وزير الدفاع فايز غصن ووزير الداخلية والبلديات مروان شربل ووزير الاقتصاد والتجارة وزير المال بالوكالة نقولا نحاس مراسيم ترقية تلامذة الضباط الجدد من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام وأمن دولة، بحضور رئيسي الحكومة نجيب ميقاتي ومجلس النواب نبيه بري، وعدد من الوزراء والنواب والفاعليات السياسية والأمنية والإجتماعية والدينية.
وقال سليمان: "في عصر الانقلابات بقي الجيش قلب الوطن، إنها الأدوار تنقلب فارضة تحديات جديدة ومن المفترض تحسين ديموقراطيتنا وتحصين وضعنا دوليا"، لافتا إلى أن "الاستراتيجة الدفاعية ترتكز على الجيش للتصدي لمخططات العدو ضد لبنان"، مؤكدا أن "الجيش الحافظ الأخير لصورة الوطن الذي ولدتم فيه وحلتمتم به أيها اللبنانيون".
واضاف: " الحاجة ضرورية لوضع استراتيجية وطنية للدفاع ترتكز أولا على الجيش والقوى المسلحة بالإضافة الى المقدّرات الوطنية، وتبقى الحاجة لدعم الجيش وتجهيزه. نعم للعيش الانساني والسياسي المشترك لا للتعايش بين دويلات تنمو على هامش الدولة. نعم للمشاركة في الدفاع الوطني، لكن لا شراكة مع الجيش في الأمن والسيادة والتصرف بعناصر القوة التي هي من حق الدولة ولا للسلاح المنتشر في أنحاء البلاد. نعم لحياد لبنان عن سياسة المحاور، لا لتحييد لبنان عن محيطه وقضايا العرب المحقة وخصوصا القضية الفلسطينية"، رافضا أي شكل من أشكال التوطين.
وأكد أن "الدولة لن تقبل بإجبار الجيش عن التخلي عن واجبه في أي بقعة من لبنان. وقد أثبتت التجربة أن أي منطقة ينزع عنها غطاء الجيش تصبح مكشوفة"، موضحا أن "الجيش يواصل التزامه في الجنوب مع اليونيفيل بالتصدي لخروق العدو الاسرائيلي وحماية الحدود ورعاية النازحين من سوريا وسيواظب على محاربة الارهاب ومؤازرة الأجهزة الأمنية في السهر على الأمن".
ولفت رئيس الجمهورية اللبنانية إلى أن "الجيش سيمنع تحويل لبنان ممرا للسلاح أو المسلحين"، مؤكدا أن "أي نية في تغطية أي مسيء إلى الجيش ستفشل"، مشيرا إلى أن "هناك معادلة بين ميزان الأمن وسيف العدل"، وقال: "الجيش قوة عادلة وقادرة تعمل ضمن القانون، يؤدي الحساب ويقبل بالمحاسبة بالطرق القانونية، يحمي ولا يعتدي، يبني ولا يهدم، يحافظ على الحق ولا يغتصب حقا، فهو يجسد الوحدة اللبنانية جغرافيا وبشريا، ينتمي إلى كل الطوائف وقناعاته التضحية من أجل الوطن، إنه فوق الطوائف والمذاهب، يلتزم قرارات السلطة السياسية، هو واحد للجميع والجميع فيه واحد".
وطالب سليمان "القضاء بأن يصدر الأحكام على من اعتدى على الجيش"، لافتا إلى أن إعلان بعبدا جاء ليؤكد تمسك الجميع بالوحدة الوطنية"، معلنا "مواصلة الدفع في اتجاه المصالحة التامة"، مركزا على قانون انتخاب عادل ومتوازن ينسجم مع الدستور"، وقال: "قدرنا أن نصارع الأخطار بحكمة وشجاعة".
وفي ما يلي نص كلمة الرئيس ميشال سليمان كاملة:
"أيها الضباط المتخرجون، التاريخ محطات، وبعض المحطات تاريخ قائم بذاته. في مثل هذا اليوم قبل سبعة وستين عاما، في الأول من آب 1945، تسلم مؤسس الجيش المؤسسة والعلم، ومنذ ذلك التاريخ بدأ الفصل الأطول والأكثر التصاقا بمعاني الشرف والتضحية والوفاء في تاريخ لبنان الحديث. تغيرت صيغة الحكم والتوازنات وتبدلت العهود، وبقي الجيش حافظا للميثاق والعهد. أما الاستثناء القاتم خلال سنوات المحنة الوطنية الكبرى فولد من خطيئة شل الجيش وتغييبه. فعندما استهدفت المؤسسة العسكرية وعطلت كضامنة للوحدة وحامية للوطن والمواطنين، أعطيت إجازة المرور للأمن المستعار الذي استحال وصاية لرعاية الوضع القائم لفترة ثلاثين عاما. في لحظة الانعتاق من دولة الحماية الأجنبية والانتداب، أمسك الجيش بمسؤولية حماية لبنان المستقل. وعند انتهاء الوصاية بعد التحرير من العدو، حمى الجيش الساحات المتقابلة، المتناقضة المشاعر والمختلفة الشعائر والشعارات، وأمن طريق الانتقال إلى الحرية واستقلالية القرار".
وأضاف:" أيها الضباط المتخرجون، تتقلدون السيوف اليوم في زمن واقف على حافة المصائر حيث يتسارع التاريخ، فيما الشعوب المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية تتلمس خياراتها السياسية وتحاول وضع الحجر الأساس لمستقبل تعترضه المصاعب وإشكاليات التوفيق بين مستلزمات الحداثة والرغبة في التقليد. وها هي التحولات التاريخية في العالم العربي، المشوبة بالعنف، تلتحق أخيرا بالنموذج اللبناني في بعده المنفتح على الديموقراطية والذي طالما ظهر شذوذا على عادات المنطقة وتقاليدها. فيوم كانت الجيوش تسقط الأنظمة، كانت السلطة في لبنان تنبثق من صناديق الاقتراع. ويوم كانت الأقوال المنزلة والأوامر الناهية مرجع الحكم وقانونه، كان الدستور المدني اللبناني القانون الأسمى للجمهورية، مصانا ومحترما من القوى العسكرية الشرعية".
وتابع:"في عصر الانقلابات بقي الجيش قلب الوطن، وفي زمن طغيان الأنظمة حافظتم على النظام العام وفي عز سطوة السلطة حفظتم الولاء للدولة والمؤسسات. إنها الأدوار تنقلب، فارضة مسارات وتحديات جديدة. ومن المفترض بهذا التغيير في البيئة المحيطة أن يدفعنا لتحسين ممارستنا الديموقراطية ولتحصين دعائم وفاقنا الوطني وأمننا الاجتماعي وتعزيز موقعنا ودورنا على الصعيدين الإقليمي والدولي. كما قد يحتم عليكم ممارسة دور أكبر وأكثر طليعية في ظل احتمال تبدل التوازنات الاستراتيجية. كما تبدو لنا الحاجة ملحة لوضع استراتيجية وطنية للدفاع من ضمنها معالجة موضوع السلاح، استراتيجية ترتكز على الجيش اللبناني وتجمع القدرات الوطنية المقاومة والرادعة للتصدي لمخططات العدو الاسرائيلي".
وقال:"أيها الضباط المتخرجون، لقد حددت المادة الأولى من قانون الدفاع مهام الدفاع الوطني "بإعداد الدفاع المسلح لحماية أراضي الجمهورية اللبنانية والمحافظة على سلامة البلاد من كل تعد داخلي وخارجي وإعداد الأمة والبلاد لأداء واجب الذود عن كيان الوطن المقدس". انطلاقا من هذا الإطار يجوز البحث في دور الجيش القاطن في كنف العلم، والحافظ الأخير لصورة الوطن الذي ولدتم فيه وحلمتم به أيها اللبنانيون، من الناقورة إلى النهر الكبير ومن أعالي السلسلة الشرقية إلى البحر المتوسط. غير أن الجيش لا يستطيع إتمام مهماته من دون توفير بيئة وطنية مرتكزة إلى البديهيات التي وضعها الآباء المؤسسون بأشكال ومناسبات مختلفة وآخرها ما أعيد صياغته وتأكيده في "إعلان بعبدا" بتاريخ 11 حزيران 2012. كما تبقى الحاجة قائمة بإلحاح لدعم الجيش وتجهيزه بالعتاد وبالأسلحة المتطورة والهادفة".
وتابع:"وفي عيد الجيش نقول : نعم للعيش الإنساني والسياسي المشترك على قاعدة الثوابت والقيم، لكن لا للتعايش بين دويلات ومنعزلات اجتماعية وطائفية تنمو على هامش الدولة وعلى حساب وحدتها. نعم للمشاركة في الدفاع الوطني بصيغة متوافق عليها في إطار الدستور ومستلزمات الوفاق الوطني وقرارات الشرعية الدولية. لكن لا شراكة مع الجيش والقوى الشرعية الرسمية في الأمن والسيادة والتصرف بعناصر القوة التي هي حق حصري للدولة، لا للسلاح المنتشر عشوائيا ولا للضغط على الزناد لأهداف خارجة عن التوافق الوطني. نعم للصراع السياسي والفكري المرن، المنفتح والمفتوح على حق الاختلاف الديموقراطي، وعلى آفاق الثقافة الرحبة، ولا للعقائد المعطلة للحرية وللرأي الآخر في مجتمع متعدد ثقافيا ودينيا كلبنان. نعم لحياد لبنان عن سياسة المحاور وعن الصراعات العربية والإقليمية التي تشكل موضع تنازع بين اللبنانيين أنفسهم، ولا لتحييد لبنان عن محيطه وقضايا العرب المحقة، لا سيما منها القضية الفلسطينية المقيمة في وجداننا مع اللاجئين والتفاعلات على أرضنا منذ أربعة وستين عاما، مع حرصنا الدائم على العدالة وإقرار حق العودة ورفض أي شكل من أشكال التوطين".
وأضاف:"أيها الضباط المتخرجون، لأن الطبيعة تأبى الفراغ، ولأن الواجب الوطني فوق أي اعتبار، فإن الدولة لن تقبل تحت أي ذريعة وفي أي ظرف بإجبار الجيش على التخلي عن واجبه في أي بقعة من لبنان. فحيث الجيش لا تسيب ولا احتلال. ولقد أثبتت تجربة العقود المنصرمة أن أي منطقة ينزع عنها غطاء الجيش تصبح مكشوفة لكافة أشكال التسيب والعدوان. فلا يخطئن أحد في التقدير أو الحساب حيث تجربة السنوات الثلاثين الماضية كانت مريرة، عندما تم تهميش دور الجيش في الدفاع عن الجنوب. سيواصل الجيش التزامه في الجنوب مواكبة عمل اليونيفيل في استكمال تطبيق القرار الرقم 1701 والتصدي للخروقات التي يقوم بها العدو الاسرائيلي جوا وبرا وبحرا. وسيستمر في حماية المواطنين ورعاية النازحين على الحدود مع سوريا ومنع تحويل الأراضي اللبنانية ممرا أو مقرا للسلاح والمسلحين تطبيقا لمبادىء إعلان بعبدا وقرار مجلس الوزراء في 9 تموز 2012 ولأحكام القانون الدولي".
وتابع:"كذلك سيواظب على التحسب لمخاطر الإرهاب ومحاربته إذا ما قام سعي لإحيائه، وعلى تفكيك شبكات التجسس والعمالة، ومؤازرة قوى الأمن الداخلي والأجهزة الشرعية الأخرى في السهر على الأمن على كل الأراضي اللبنانية. لن يفيد أي سعي للاستئثار بتأييد الجيش ومحبته ودفعه إلى الانحياز إلى فئة من دون أخرى، وكذلك ستفشل أي نية في تغطية مرتكب أو مسيء إلى الجيش والأمن، في ظل إرادة سياسية معلنة ومفترضة بعدم توفير مثل هذا الغطاء للمعتدين. هناك معادلة دقيقة بين ميزان الأمن وسيف العدل. ميزان الأمن لا يعني توازن الفوضى وتقسيم الأمن، وسيف العدل لا يساوي بين قطع دابر الظلم وفتح سبيل الحق. إن الجيش هو القوة القادرة والعادلة التي تعمل في ظل الضوابط المنبثقة من القوانين والأنظمة والشرائع. يؤدي الحساب ويقبل المحاسبة بالطرق القانونية والقضائية والإجراءات المسلكية التي تنص عليها أنظمته، والجيش يحمي ولا يعتدي، يبني ولا يهدم، يعمر ولا يدمر، يحافظ على الحق ولا يغتصب حقا. وباسم الشعب اللبناني، كل الشعب، على القضاء أن يصدر الاحكام على الذين اعتدوا او تطاولوا على الجيش وذلك من دون تردد او خوف او حسابات من أي نوع كان. والجيش قبل كل شيء يجسد الوحدة اللبنانية بامتياز جغرافيا وبشريا. ضباطه ورتباؤه والجنود ينتمون إلى كل الطوائف والمذاهب والمناطق والطبقات، وتمتلك فؤادهم والقناعات، ثقافة الانتماء إلى الوطن والتضحية من أجل عزته وعنفوانه. هو الجيش فوق الطوائف والمذاهب والأحزاب والفئات، يلتزم قرار السلطة السياسية يحمي الديموقراطية والحريات وحقوق الانسان. هو جيش للوطن لا جيش للنظام. إنه واحد للجميع والجميع فيه واحد".
وقال:"أيها الضباط المتخرجون، أيها اللبنانيون، إن الابتعاد عن الخيارات القصوى والرهانات القاتلة حكمة في الحكم وقيادة المصير. فلا مقاومة إسرائيل يعززها تفاقم التوتر الأهلي، ولا السيادة والكرامة والاستقلال تتحقق إذا ما سمحنا باستيراد أزمات وقدرات من خارج الحدود. وقد جاء "إعلان بعبدا" ليؤكد تمسك جميع الأفرقاء بأهمية الوحدة الوطنية والتزامهم تحييد لبنان عن أي أزمة إقليمية، وعدم اللجوء الى وسائل غير ديموقراطية او ادوات خارجية لتغيير الموازين الداخلية. لذلك فإن البحث عن تفاهمات تمنع استيراد الأزمات الإقليمية يتطلب التزاما حقيقيا باتفاق الطائف ومشروع الدولة التي تؤمن مصالح وشراكة جميع الطوائف في إطار ديموقراطي. صحيح أن العنف الكامن والتطرف المواجه بعضه البعض الآخر في المنطقة عوامل لا تسمح بتسهيل مهمة ضبط النزاعات اللبنانية، لكن الحوار الدائم والبحث المستنير عن الغد في الحاضر كفيلان بإدارة التنوع وتحقيق الاستقرار والمضي على طريق التنمية. إننا سنواصل الدفع باتجاه المصالحة التامة على أسس ثابتة لا الحوار فحسب، فالخطر الأكبر ليس في حفر الخنادق بل في رفع الجدران بين اللبنانيين".
وأضاف:" وفي سبيل تثبيت دعائم الاستقرار في خضم الاضطراب المحيط بنا والتوتر الإقليمي عموما، تبقى الحاجة قائمة لإزالة الالتباسات وتخفيف حدة الصراع على السلطة المركزية من خلال قانون انتخابي عادل ومتوازن ينسجم مع روح الدستور ووثيقة الطائف، ويؤدي إلى مساهمة كل مكونات المجتمع في الحكم وإدارة الشؤون الوطنية. كذلك فإن اللامركزية الإدارية الموسعة المشفوعة بخطة تنمية متوازنة تشكل بدورها مجالا لتخفيف الضغط وتفتح طريق العدالة الاجتماعية والمساواة".
وقال:"أيها اللبنانيون، الأخطار ليست ضيفا يزور لبنان ويرحل. إنها ظل مقيم يكمن ثم يستيقظ. وقدرنا أن نصارع الأخطار بالشجاعة والحكمة وبالأناة والحزم، وأن نعزز دوما مكونات مناعتنا وقدرتنا. عندها يرتسم الحد الفاصل بين الأمن والفوضى، وبناء الدولة وسقوطها، بين الموقت والدائم، وبين العيش المشترك والحرب الأهلية الباردة".
وتابع:"أيها الضباط المتخرجون، تقسمون قسم الوفاء للوطن، حفاظا على تضحيات شهدائه الأبرار، وفي طليعتهم الرائد الشهيد وليد الشعار الذي سميتم دورتكم على اسمه. ارفعوا راية الحق وتمسكوا بسيف العدل والامن، حينها ينجح لبنان في المشاركة في صناعة التاريخ الذي يتجدد ويتكثف من حولنا. لكم مني في هذا اليوم المعقود على العزم وروح التضحية والأمل كل التشجيع والتقدير والاعتزاز، وكامل الدعم. عشتم، عاش الجيش، عاش لبنان".