كتبت صحيفة "النهار":
لا يخفى على المعنيين في الحكم والحكومة أن شروع مجلس الوزراء في عقد جلسات متلاحقة لإقرار مشروع قانون الانتخاب واحالته على مجلس النواب في أقرب وقت، قد لاقى أصداء ايجابية خصوصاً على مستوى البعثات الديبلوماسية في لبنان، إذ إن هذه الخطوة عدّت بمثابة تأكيد مبدئي وعملي لعزم الدولة على المضي نحو استحقاق الانتخابات النيابية في الربيع المقبل والتزام تنفيذ الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها ومواقيتها بعيداً عما يثار من سيناريوات واحتمالات مرتبطة بانعكاس الأزمة السورية على لبنان وأوضاعه واستقراره واستحقاقاته المتنوعة.
غير أن الجانب الايجابي من الملف الانتخابي لم يحجب في المقابل مجموعة عوامل مطروحة يجري تداولها لدى مختلف القوى السياسية حيال التعقيدات الكبيرة والعقبات التي تثير شكوكاً واسعة لا بل خشية من إمكان عدم التوصل الى اقرار قانون جديد للانتخاب حتى لو أمكن إقراره في مجلس الوزراء. ومع ان هذه التعقيدات معروفة ولم تطرأ عوامل جديدة كثيرة عليها في الآونة الأخيرة، فان بعض المعنيين يرسم إطاراً مفصلاً لطبيعتها من شأنه أن يضيء هذا الملف بمواكبة الجلسات التي يعقدها مجلس الوزراء.
العامل الأول يتمثل في ما أثبتته الجلستان اللتان عقدهما مجلس الوزراء الاثنين والثلثاء لجهة عدم حصول اجماع بين قوى الاكثرية على النظام النسبي. فثمة رفض غير قابل للتذليل لدى "جبهة النضال الوطني" حيال هذا النظام لاعتبارات مختلفة، وثمة تعارضات بين القوى الأخرى حول حجم الدوائر المعتمد ولو سلمت هذه القوى أو دفعت في اتجاه اعتماد النسبية. وهو أمر من شأنه أن يخرج القانون من الحكومة موصوماً بـ"عاهة الولادة"، على ما يقول المعنيون أنفسهم لأن أي صيغة تسووية بين المتوافقين على النسبية أنفسهم قد لا تصمد لدى وصول المشروع الى مجلس النواب، المحطة الحاسمة والمفصلية لتقير مصيره.
العامل الثاني يتمثل في تنامي قدرة المعارضة، اي قوى 14 آذار، على منع مرور اي قانون في مجلس النواب لا يحظى بموافقتها بعدما صار النائب وليد جنبلاط حليفاً قويا ثابتاً لها في هذا الملف على الاقل. اما في حال افتراض عدم توصل قوى 14 آذار الى توافق حول صيغة بديلة من المشروع الحكومي، فإن الامر سيغدو اكثر تعقيداً، وفي كلا الحالين تجنح كفة الاحتمالات الى ابقاء القديم على قدمه، اي استمرار القانون الحالي الذي اطلق عليه قانون 1960 والذي اقر في الدوحة نافذاً، مما يعني ان هذا الملف يشكل لدى فريقي الصراع في لبنان استحقاقاً مشابهاً اختباراً متماثلاً لجهة امتحان "وحدة الصف".
العامل الثالث، يبدو واضحاً ان الاندفاع نحو اقرار مشروع قانون النسبية حصل بضغط معروف من رئيس الجمهورية ميشال سليمان لسببين: الاول ان الرئيس سليمان اراد وضع حد للكلام المتنامي عن احتمال تأجيل الانتخابات، وهو ما فتئ يردد منذ اشهر ان زمن عدم تنفيذ الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها وكذلك زمن التمديد للمجلس النيابي او لرئيس الجمهورية قد ولّيا.
واراد تالياً الدفع في اتجاه ترجمة هذا التعهد. اما السبب الآخر فيعود الى رغبة الرئيس في ترجمة التزامه القوي حيال النسبية. اذا تبنى مجلس الوزراء مشروع القانون الذي وضعه وزير الداخلية والبلديات مروان شربل سيصبح في امكان سليمان ان يظهر مظهر من التزام سياساته واتجاهاته حتى لو سقط المشروع في مجلس النواب مما لا يحمّله تبعة عدم الدفع نحو اقراره في الحكومة على الاقل.
ومع ذلك، فإن الدفع الرئاسي لاقرار المشروع لا يكفي وحده لضمان تذليل العقبات الاخرى التي تعترضه، اذ لا يملك الرئيس كتلة نيابية وازنة تمكنه من استقطاب وجهة نظر معينة او عقد تحالفات مع قوى اخرى. وفي خلاصة هذه العوامل، التي يمكن ان يضاف اليها المناخ السياسي العام الذي يستبعد معه المعنيون امكان بت مصير قانون الانتخاب بسرعة، يقول هؤلاء ان ثمة فرصة واحدة قد تكون قادرة على تحقيق اختراق في مجموعة الموانع هذه، وهي توصل "لجنة بكركي" الى مشروع متقدم يأخذ في الاعتبار كل الحاجات الحيوية الملحة للتغيير والتوفيق بين الاتجاهات المتعارضة جذريا. وهو امر لا تزال تثار حوله شكوك واسعة ايضا في انتظار ما قد تتوصل اليه اللجنة ومعرفة ردود الفعل على مشروعها الذي طال انتظاره.