#dfp #adsense

في “حكومة” المالح

حجم الخط

لم يُعرف عن هيثم المالح إلاّ انه واحد من أشدّ المعارضين للنظام السوري في نسختيه، الأولى والثانية. مع الأب ثم مع الابن. وانه من أخلص الخلصاء لفكرة التصدي الحاسم لأضرار ذلك النظام بما يكفل القضاء عليه وضمان عدم تكراره بوجوه أخرى!

سُجن لسنوات طويلة وعلى دفعات، لكنه أصرّ دائماً على البقاء في دمشق، ممثلاً ذروة التحدي أمام البطش، ومترجماً "قوله والعمل" في تلابيب مهنته كمحام في دولة لا قانون فيها إلاّ ذلك الآتي من الأمن السياسي ومكاتب أجهزة المخابرات والدوائر الحزبية، وصولاً إلى مختصِرها التام، أي رأس النظام، صاحب الدولة ومؤسساتها ودستورها وقوانينها وكل من دبّ فوقها وارتاح تحتها!

صعب جداً بالتالي، افتراض نيّات سيئة أو شريرة من وراء خطواته الأخيرة في القاهرة تحت مسمّى "مجلس أمناء الثورة" الذي كلّفه تشكيل حكومة في المنفى.. أي ان المالح كلّف نفسه بنفسه، وارتأى انه هو الأسلم والأصح لتنكّب مهمة كبيرة وخطيرة مثل هذه من دون تهيئة الأمر بشكل واضح وحاسم مع باقي مكوّنات المعارضة الوطنية.

قد يكون مؤهلاً لتولي مهمة كهذه، وقد لا يكون. لكن الأمر ليس في الأهلية والمؤهلات انما في الخطوات التي يُراد منها زيادة الضغط على النظام فتؤدي إلى زيادة الإضرار بالمعارضة نفسها! وكأنه لم يكفها درب الآلام الذي قطعته على مدى شهور طويلة قبل الوصول إلى صيغة معقولة ومقبولة مبدئياً توحّد آراء السوريين، على اختلاف قواهم وحساباتهم، في مواجهة سلطة الأسد، وفي رؤية سوريا ما بعد سلطة الأسد!

في ذلك، بدت خطوات المالح وصحبه في القاهرة ارتجالية ومراهقة أكثر من كونها تعبيراً عن ضرورة الإمساك بلحظة مفصلية في سياق الثورة والتحرّك بسرعة كي لا تفلت وتضيع مع الريح.. ارتجالية لانها أظهرت بعد أقل من شهر على انعقاد المؤتمر الموسّع للمعارضة في القاهرة، ان أصحابها حضروا ذلك المؤتمر لكنهم بقوا في دواخلهم ولم يناقشوا المجلس الوطني في الأمر جدياً، كما لم يناقشوا الجيش السوري الحر فيه… وأي معارضة بعد ذلك إذا لم تشتمل عليهما، وأي حكومة منفى هذه إذا لم يشاركا فيها وهما ما هما سياسياً وميدانياً؟

يعرف هيثم المالح ان للارتجال في العمل السياسي في زمن الحروب والثورات أضراراً قد تكون كارثية ومميتة. ويعرف أكثر ان خطوته مُضحكة وغير ناضجة، ولا تليق بتاريخه ونضاله وسياسته، كما لا تليق بتضحيات شعب سوريا على مدى 17 شهراً. ولا تليق بمنطق الأمور في أساسه: إذ من هو الذي سيعترف بـ"حكومته"؟ ومن هي الجهات أو الهيئات أو المنظمات السياسية الإقليمية والدولية الشرعية والرسمية التي ستتعامل معه بصفته التي يسوّقها لنفسه وبنفسه؟!

لم يفعل في خروجه على العلن بما خرج به، إلاّ إلحاق الضرر بما جهد مؤتمر القاهرة الأخير للمعارضة، لبنائه. أي الإطار الموحّد الذي يعبّر في برنامج مرحلي، عن تطلعات السوريين للخروج من ثورتهم على الطغيان بانتصار تام لا لَبس فيه… استعجل السيد المالح، واستعجل رفاقه في تنصيب أنفسهم "أمناء" على الثورة فيما رأس المنطق يقول: أكملوا الانتصار أولاً! اصطادوا الدب ثم اختلفوا على جلده!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل