قد يبدو وصف نداء المطارنة الموارنة في الأول من آب بأنه أقرب الى "رقيم بطريركي" في حال الدولة اللبنانية المشارفة الانهيار بمثابة مبالغة منفرة، لكن مضمون النداء يتسع لأكثر من ذلك ويجيز تالياً تبرير هذا الوصف.
لن نتهم جزافاً المسؤولين والسياسيين بالجملة بعدم قراءة هذا البيان – الإنذار لأن عاقلاً لا يعتقد ان مضمونه الصارخ بكل الخطورة المفترضة والواقعية يمكن ان يكون عرضة للتجاهل. ولذا يكتسب هذا المضمون أهمية استثنائية من زاوية كنسية وأخرى وطنية مماثلتين للمحطات المفصلية الكبرى التي واجهتها بكركي عبر تاريخها. في البعد الكنسي يستعيد النداء نهج الأسلاف وآخرهم البطريرك صفير في دق النفير عند الملمات العظمى بنهج النداءات الحاملة ثوابت الكنيسة ومواقفها من كل خطر محدق بلبنان. ولكن ميزته مع البطريرك الراعي في هذا التوقيت حصراً أنه بدا بمثابة ملاقاة استباقية لزيارة البابا بنيديكتوس السادس عشر للبنان بعد شهر ونصف شهر. وشكّل النداء بنصه الخطر كإنذار حيال إفلاس محقّق للدولة جرعة أولى متقدمة تمهد الطريق لإطار أكثر اتساعاً حيال الدور الكنسي الأعم في لبنان والمنطقة الذي سيحمله الإرشاد الرسولي لكنائس الشرق الأوسط في مرحلة التحولات الهائلة التي يشهدها، كأن بكركي أرادت عبره ان تعلن عن متغير في قلب الكنيسة يمهد لمتغيرات أخرى لاحقاً يفترض رصدها بدقة وبعناية.
أما في البعد الوطني الصرف، فإن أهمية النداء وخطورته القصوى تنبعان من الصدقية العلمية التي ميزته بالدرجة الأولى، بموازاة انبثاقه عن المجمع الماروني القيّم على الكنيسة والذي يمثله مجلس المطارنة. هذا النداء بالمعطيات الاقتصادية والاجتماعية التي تضمنها وبرسمه الخط البياني التصاعدي لأخطار الإفلاس وصولاً الى تحلل الدولة، بدا بمثابة نشرة طبية تنذر المريض بآخر مراحل الاحتضار "ما لم" تستدركه الجراحات العاجلة قبل فوات الأوان. ولعل المفارقة ان أحداً في لبنان لا تعوزه المعرفة ان البلاد تهرول بسرعة قصوى الى هذا المحظور، ولكن الانحطاط السياسي الذي ضربه من كل الاتجاهات وقوّض الحدود الدنيا البديهية لمفهوم المسؤولية السياسية دمر تدميراً تاماً الصفة المرجعية الموضوعية لأي سلطة أو هيئة ورسخ تلك القاعدة الهجينة التي تقول بأن الرقم في لبنان هو وجهة نظر.
بنداء مجلس المطارنة هذا تستعيد الكنيسة فعلاً الكثير من دور مرجعي على الصعيد الاجتماعي والوطني لأنها تقدّم فيه نبض الناس وخوفهم من الآتي الأعظم. والأهم أنها تستعيد كذلك مهابة المرجعية الناقدة الجريئة والمؤتمنة على كسر الغطرسة الجوفاء للسياسات الممعنة في إفقار لبنان واللبنانيين ودفع الدولة نحو الهلاك المحتم وفضح كل الأنماط المنحطة في العمل العام على غرار ما ابتلي به لبنان في جاهليته هذه. وهو نداء بدأ يصنع حدثاً من مكان لا ينظر إليه إلا صانع مصائر.