#dfp #adsense

حرب الإنقاذ وحرب التدمير

حجم الخط

 "لن يتمكن الرئيس بشار الأسد من أن ينتصر ويحسم الوضع لمصلحته في دمشق وحلب وسائر المناطق والمدن والبلدات السورية التي تشهد معارك تكاد أن تكون بلا نهاية بينه وبين محتجين عليه، لأن رهانه خاسر من الأساس. فقد أدرك الأسد، منذ إنطلاق الإحتجاجات واتساع نطاقها، انه لن يتمكن من أن يواصل حكم سوريا وفرض سيطرته عليها إذا رضخ لمطالب المحتجين التي تدعو الى تغيير النظام جذرياً واستبداله بنظام ديموقراطي تعددي عادل يرتكز على التداول السلمي للسلطة من طريق إنتخابات حرة وشفافة ويستمد شرعيته من الاحتكام الى إرادة مواطنيه. ورأى الأسد ان إنقاذ نظامه يتطلب، من وجهة نظره، رفض الاعتراف بوجود محتجين لهم حقوقهم المشروعة، فاتهم معارضيه بانهم مجموعة من العصابات المسلحة والإرهابيين وشن عليهم حرباً بالغة الشراسة وتعامل معهم على انهم أعداء للوطن. لكن حرب إنقاذ النظام صارت حرب تدمير للنظام وللدولة ومؤسساتها وللمجتمع السوري عموماً. فالأسد يواجه، في وقت واحد، ثورة شعبية سلمية ومسلحة تشمل مختلف المناطق السورية وحرب عصابات وحرب إستنزاف ضد قواته ونظامه، وأوضاعاً داخلية غاية في التدهور، وتحالفاً عربياً وإقليمياً ودولياً غير مسبوق معادياً له ويعمل من أجل إسقاطه، مما دفع أكثر من 107 دول بينها 18 دولة عربية الى مطالبته علناً ورسمياً بالتنحي عن السلطة تمهيداً لتسوية الأزمة". هذا ما قاله لنا مسؤول أوروبي بارز. وأوضح "ان الأسد يكابر وينكر الحقائق ويستند الى حسابات ورهانات خاطئة ويستسهل إستخدام القوة المفرطة ضد مواطنيه ويتجاهل آلامهم ومعاناتهم والخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي توقعها حربه".

ورأى المسؤول الأوروبي ان أربعة عوامل أساسية تدفع الأسد والمرتبطين به الى مواصلة هذه الحرب التدميرية الإنتحارية اليائسة ضد المحتجين هي الآتية:

أولاً – فقد الرئيس السوري القدرة منذ أشهر عدة على عقد أي صفقة مع الدول البارزة والمؤثرة توفر له الحماية والحصانة وتضمن بقاءه في الحكم.

ثانياً – راهن الأسد منذ البداية على أن قواته العسكرية والأمنية قادرة على سحق حركة الإحتجاج بسهولة وإعادة المطالبين بالتحرر من نظامه الى بيت الطاعة. لكن هذا الرهان كان خاطئاً تماماً إذ ان هذه الحركة تحولت ثورة شعبية سلمية ومسلحة حقيقية عمت تدريجاً مختلف المناطق ولقيت دعماً إقليمياً ودولياً واسعاً غير مسبوق وأنهت قدرته على حكم سوريا والتصرف بها كما يريد.

ثالثاً – يتصرف الأسد على أساس انه يتمتع بحصانة ما تسمح له بمواصلة حربه الداخلية من غير أن يواجه تهديداً عسكرياً جدياً كبيراً لأن الدول الغربية البارزة ليست راغبة، الى الآن، في استخدام القوة العسكرية ضده لأسباب عدة، ولأن روسيا تمنع مجلس الأمن من إصدار قرار يفرض عقوبات وإجراءات دولية قاسية عليه وتوفر له، مع إيران، الدعم العسكري والتسلحي الضروري لمواصلة القتال. لكن المسؤولين الروس والإيرانيين عاجزون عن إيجاد الحل السياسي المناسب الذي يوقف الحرب ويسمح ببقاء النظام، بل إنهم يحتاجون الى التعاون مع خصوم الأسد المطالبين برحيله وتغيير نظامه من أجل تسوية هذه الأزمة الخطيرة.

رابعاً – واجه الأسد هزيمة إستراتيجية كبيرة عندما اضطر الى الانسحاب من لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والانتفاضة الشعبية الهائلة ضد الهيمنة السورية، لذلك يبدو مصمماً على حماية ذاته من هزيمة أخرى ستقضي عليه وعلى نظامه اذا استجاب لمطالب المحتجين والثائرين على حكمه. لكن الخيار العسكري – الأمني الذي اعتمده الأسد لن ينقذه لأنه أسوأ الخيارات وأكثرها خطورة عليه وعلى بلده.

واستناداً الى هذا المسؤول الأوروبي "فإن بقاء نظام الأسد بات يشكل عقاباً لسوريا وتهديداً كبيراً لها ولمصالحها الحيوية، ذلك ان هذا النظام فقد القدرة على إنقاذ البلد وضبط أوضاعه وتوحيد مكوناته وطوائفه مجدداً وإعادة بنائه وإصلاح علاقاته مع الغالبية العظمى من السوريين ومع الدول الإقليمية والغربية البارزة والمؤثرة. وفقد هذا النظام أيضاً القدرة على تغيير موازين القوى في الداخل والخارج لمصلحته وعلى إثارة إهتمام الدول البارزة مجدداً به ودفعها الى التفاهم معه من طريق إعلانه امتلاك أسلحة كيميائية وجرثومية وتأكيد احتمال استخدامها لصد أي هجوم على سوريا. بل ان هذه الدول حذرت الأسد من خطورة إمتلاكه أسلحة دمار شامل محظورة وهددته بالرد عليه بقوة إذا فكر في استخدامها، مما يفتح الباب أمام احتمال حدوث تدخل عسكري ضده تحت غطاء حماية سوريا والمنطقة من أخطار هذه الأسلحة".

المصدر:
النهار

خبر عاجل