#dfp #adsense

أي توازن.. نريد؟

حجم الخط

حلّ عيد الجيش هذا العام وسط ظروف إقليمية مأزومة تنعكس سلباً وتوتّراً على الداخل اللبناني، فالإنقسام بين مؤيّد ومعارض للنظام السوري لا زال عامودياً بل ازداد حدّة خلال الكباش الخارجي الحاصل بين أميركا وروسيا وحلفائهما. وقد وصل التأزّم الداخلي الى هاوية الانفجار مع كل الملفات التي انهالت على الحكومة من اعتصام الأسير، إلى أزمات النقابات من أساتذة مقاطعين للتصحيح إلى مياومين مقاطعين الجباية وموظفي شركة كهرباء لبنان مقاطعين واجباتهم تاركين البلاد والعباد يغرقان في ظلمة الفوضى والعجز الرسميين.

إلا أن العيد لم يلبث أن انقضى حتى حمل معه بشائر الإنفراجات بعد طول مفاوضات، فبات المشهد أقرب إلى الإخراج السينمائي حيث يأتي الفرج بعد الشدّة: فأثمرت المفاوضات مع الشيخ أحمد الأسير الى فك الاعتصام وعودة الحياة إلى صيدا وعجلتها الاقتصادية، وحُلّت أزمة المياومين بما يُرضي الجميع، وعاد الأساتذة عن قرارهم مقاطعة التصحيح حرصاً على مصلحة الطلاب ومستقبلهم؟

والأهم، كان خطاب رئيس الجمهورية في الأول من آب الذي أعلن فيه عن الحاجة الملحة لدعم الجيش و تجهيزه بالعتاد والاسلحة المتطورة والهادفة و يؤيد هذاالتوجه الرئاسي تمسّك اللبنانيين بالخيار الشرعي أولاً وأخيراً لحماية البلاد وبسط سلطة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية دون استثناء.

أما سلاح المقاومة الذي يُراد به إقامة توازن الرعب، كما أعلن الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله أمس الأول، فلا مبرّر لبقائه خارج المنظومة الشرعية، خاصة إذا ما نجحت طاولة الحوار في التوصل إلى توافق على الاستراتيجية الدفاعية! فالهدف الأكبر ليس نزع السلاح بل تقويم تصويبه نحو العدو وليس الداخل، وضبط إيقاع استخدامه من ضمن قرار وطني يتوافق عليه شركاء الوطن لا أن يكون قراراً بيد فريق ينفرد به دون تنسيق مع سائر الأفرقاء، المطلوب منهم الدعم الكامل دون شرط أو نقاش.

وإذا صحّ أن سلاح المقاومة ما بعد 2006 يحقّق توازن رعب مع العدو، ولكن هذا السلاح نفسه يُفسد التوازن الداخلي بين أبناء الوطن.. ففريق مسلّح ويُقيم مربعاته الأمنية وتمكّن من الانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية والتفرّد بالسلطة عبر حكومة اللون الواحد، و يهدّد حلفاؤه بالحرب الأهلية إذا ما تجرّأ الفريق الآخر، الشريك في الوطن، من تأليفها والتفرّد بقراراتها على الشكل الحاصل اليوم!

ويبدو أن سياسة المكيالين لم تعد حكراً على الأمم المتحدة، المنحازة لإسرائيل منذ البداية، بل تمرّس بها ألدّ أعدائها وقطع معها أواصر الحوار وسُبل التواصل مع الشريك في الوطن! فأي وطن نريد وإلى أي توازن نطمح: توازن الرعب مع العدو وفي الداخل نبقى أسرى الهواجس الأمنية التي تُعيق تقدّمنا الاقتصادي أولاً ومن ثمّ الاجتماعي والوطني عامة، أم توازن داخلي مع الآخر حيث نلتقي وسط الطريق ويتم التفاهم على الخطوط العريضة، فنحمي الوطن أولاً بوحدتنا، وثانياً بترسانة المقاومة داخل الجيش الشرعي، وبالتالي ننصرف جميعاً، دون استثناء، لبناء الدولة القادرة على تلبية حاجات مواطنيها الأساسية ودون تمييز أو تفرقة، أولاً عبر تثبيت الأمن وفرض هيبة القانون فوق الجميع، وثانياً عبر استثمار طاقات البلاد والعباد إلى حدودها القصوى تحقيقاً للنمو الاقتصادي المرجو، والذي ليس بالمستحيل في وطن انبرى أبناؤه على خلق القوة من الضعف والإبداع من المعاناة..

إنها ليست هلوسات صائم في الساعة الأخيرة قبل إفطاره، ولا هي أحلام مؤمن يسعى لتحقيقها عبر الصلاة والعبادة وحدهما.. إنها تطلعات جيل انفتح عبر العولمة على جوهر الانتماء إلى الوطن مع كل ما تحمل هذه الكلمة من حقوق وواجبات للطرفين، ولم يعد يرضى بأقل منها.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل