كتب فراس الشوفي في صحيفة "الأخبار":
المقعد الدرزي في حاصبيّا يثير الجدال. حالة النائب أنور الخليل الصحيّة تستوجب البحث عن بديل لشغل هذا المقعد. مروحة الخيارات ليست واسعة، وزيران من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي هما الأكثر حظّاً. القصّة عند الرئيس نبيه برّي يصبح نائباً درزيّاً من يرضى عنه النائب وليد جنبلاط في الشوف وعاليه. يحصل على لوحةٍ زرقاء من يرشّحه "البيك" ويلقى دعم تيّار المستقبل في البقاع الغربي وبيروت. لا دخل لسيد المختارة بمقعد بعبدا. وحده مقعد حاصبيّا يكسر القاعدة: يُسأل البيك عن رأيه، وليس بالضرورة أن يُعمل به.
الربط بين قضاءي حاصبيا ومرجعيون أتاح لـ8 آذار الفوز الكاسح وحصد مقاعد الدائرة الخمسة في انتخابات 2005 و2009 (علي فياض، علي حسن خليل، أسعد حردان، أنور الخليل وقاسم هاشم). يمثّل الشيعة نسبة 54.8% من مجمل عدد الناخبين، والدروز 28% ويتوزع الباقي بين المسيحيين والسنّة.
حديث الترشح عن المقعد الدّرزي في حاصبيّا ــــ مرجعيون يراه كثيرون سابقاً لأوانه. هذا المقعد تقاطع "ثلثين بثلث بين الرئيس نبيه برّي وجنبلاط". وعلى ما أكد أكثر من مصدر، يعاني الخليل آلاماً حادة في منطقة الرقبة والظهر جراء عارض "الديسك"، ما يجبره على البقاء في بيروت ومتابعة علاجه منذ أكثر من عام.
يبقى "حديدان في الميدان": زياد أنور الخليل. تلحظ "البيوتات الحاصبانيّة" "بتفهمٍ" إطلالات الخليل الابن المتكررة. يحاول زياد تعويض غياب والده القسري عن الساحة الحاصبانية. في الأفراح، ينقل زياد "الوالد بيعتذر، كل أيامكم فرح"؛ وفي الأتراح "الوالد حب عليه يشارككم، العوض بسلامتكم، لا تواخذونا". وفي السياسة، يمثّل زياد والده ويقرأ مواقفه وكلماته. ودائماً يقول عريف الحفل "كلمة النائب أنور الخليل ممثّلاً بزياد الخليل". هل يورث الخليل الأب، في حياته، مقعده لزياد؟ ما زال الجواب بعيد المنال، إلا أن السؤال لا يلقى رواجاً: "حيثية الخليل مالية ولا ترقى إلى حيثية الإقطاع السياسي الدرزي التقليدي". إذاً، وجب البحث عن بديل.
من يرى الحاصبانيون مرشّحاً غير زياد الخليل؟ لا تصل الاحتمالات إلى عدد أصابع اليد الواحدة. مرشّحا حاصبيّا "المفترضان" يجلسان على طاولة مجلس الوزراء: وزير الشؤون الاجتماعيّة وائل أبو فاعور ووزير الدولة مروان خير الدين. غير أن مسألة المقعد معقدة أكثر بكثير: "الأوضاع في سوريا، قانون الانتخاب، موقع جنبلاط في الدورة المقبلة، حالة النائب أنور الخليل الصحية، وطبعاً كيفية الاتفاق مع الرئيس نبيه بري".
أبو فاعور "ماشي حاله" نائباً في راشيا. هو يملك من الإمكانات ما يكفيه لدخول عالم السياسة من الباب الواسع، ويزيد: "شخصية كاريزمية تجعله قريباً من جيل الشباب، وزارة خدماتيّة بامتياز، ورئيس كوليد جنبلاط". لكن الوزير الشاب "سيبقى غريباً هناك". وهناك أيضاً، يمتعض كثيرون من نيابته، ويسألون: هل نضبت راشيا حتى استورد لنا البيك وائل من حاصبيّا؟
يتصرّف أبو فاعور كنائبٍ للقضاءين معاً. هو ليس بعيداً عن جوّ "الطامعين في راشيّا"، ويدرك تماماً ضرورة "العودة إلى الجذور". يدير جيشاً من الرجال في كل قرية من قرى وادي التيم. تنسيق شبه يومي مع مخاتير حاصبيا وفاعلياتها. توزيع زفت وزارة الأشغال في القرى يجري على قدمٍ وساق حسب جدوله. تسجيل المعوزين والمحتاجين في وزارة الشؤون الاجتماعية يسير بمنهجية واضحة لا تميز بين انتماء وآخر. ولعل أكثر الإجراءات فاعلية هو "تجيير تنظيم الحزب التقدمي الاشتراكي". وعلى ما تتناقله الألسن، يبرز اسم المدير السابق لمنطقة حاصبيا التربوية التابعة لوزارة التربية ووكيل داخلية حاصبيا في الحزب شفيق علوان كأكثر صقوره في جسم الاشتراكي. وحين يُسأل الوزير يستعجب: "نحن حزب، وأنا أتبع قرارات قيادتي وألتزمها مهما كانت، لكنّ أحداً لم يخبرني حتى اللّحظة أنني سأترشح في حاصبيّا أو سأبقى في راشيّا، هذا سابق لأوانه".
الوزير مروان خير الدين يقف بدوره على مدخل حاصبيا. لم يكن رئيس مجلس إدارة بنك الموارد مندفعاً كثيراً في الانتخابات الماضية لخوض معركة خاسرة رغم محاولة النائب طلال أرسلان الدفع بترشيحه في وجه الخليل. وبحسب المصادر، يعوّل خير الدين على معطيات جديدة: دخوله حكومة الرئيس ميقاتي إلى جانب حزب الله، ترؤس عمه غسان خير الدين بلدية المدينة ما أكسبه وعائلته حيزاً جديداً، بينما تجعله قدرته على تعويض المال "الخليلي" منافساً قوياً على حساب أبو فاعور. وبحسب مصادر، فإن حماسته لم تزد هذه المرّة بسبب تجربة الحكومة. فالسياسة "تشغله عن الأعمال، لكنّه المرشّح اليزبكي الأوفر حظّاً".
كيف يقتنع الرئيس برّي بأبو فاعور أو خير الدين، وهو "لا يتنازل عن مقعد في انتخابات طلابية، فكيف عن مقعد في كتلته؟". يجيب أحد العارفين: إمكانية الاتفاق بين بري وجنبلاط على ترشيح أبو فاعور لا تكون في حاصبيّا فقط، بل ضمن سلّة واحدة "من البقاع الغربي حتى بيروت وبعبدا"، ولا هم إذا قبِل بخير الدين، فما المانع من تكرار تجربة النائب فادي الأعور "وديعة حزب الله في كتلة النائب أرسلان. فيكون خير الدين وديعة الرئيس بري في كتلة أرسلان أيضاً؟".
بين الوزيرين، يقف طبيب الأسنان الشاب وسام شرّوف ومسؤول الحزب الديموقراطي في حاصبيا. شرّوف "يزبكي من صنف العاملين بين الناس، ويحبّ المقاومة أكثر من أمّه". هو ترشّح في المرّة السابقة وحقّق للديموقراطي "إثبات الوجود" في وجه مرشّح "المحدلة".