#adsense

المعارضة السورية في الخارج و”جلد الدب”

حجم الخط

أتحفتنا "المعارضة" السورية بانقسام جديد داخل صفوفها (والانقسام ليس التعدد)، تجسّد في إعلان قيام "مجلس أمناء"، ليعقب هذا الإنجاز "التوحيدي" تأليف حكومة منفى "توحيدية". أي "جبهة جديدة مقابل المجلس الوطني" او ربما بعدها مجالس وطنية بالجملة والمفرق. مجلسان عندنا في المعارضة، وفريقان، ووجهتان، وطريقتان (حتى الآن) وهاجس واحد: الصراع على جلد الدب قبل اصطياده. لا نعارض مبدئياً إنشاء أي هيئة، ولكن أيكون ذلك على حساب وحدة الثورة السورية. أيكون ذلك نوعاً متبادلاً لإلغاء الحوار بين مكوّنات الثورة؟ أيكون ذلك تعبيراً عن رغبة شبقية استئثارية؛ فهذا كله مناف لأبسط مبادئ المواجهة. ان يتبادل الجميع النقد، فهذه إشارات ديموقراطية وضعتها الثورة في أولوياتها. لكن أتكون كل هيئة شكلاً إلغائياً مغلقاً جديداً، فأي ثورة هذه على نظام الإلغاء، والنفي، تعمل على تأسيس منصات إلغائية في ما بينها. المناضل ميشال كيلو لا يعترف بالمجلس الوطني. وهيثم المالح كذلك. والمجلس الوطني يعتبر إنشاء "مجلس أمناء" مستقل وحكومة منفى بقرار منفرد… شرذمة لوحدة الثورة، فمن نلوم، ومن نؤيد، نحن الذين وقفنا الى جانب شباب الربيع العربي، ابتداء بثورة الأرز فالثورات التي أطاحت الطغاة… أو في طريقها الى إطاحة من تبقى. بل كيف يمكن ألا نرى في بعض القيادات المعارضة السورية وقوعاً في الذهنية السلطوية القديمة التي ميّزت الحركات الحزبية القومية واليسارية واليمينية، والأنظمة الديكتاتورية، ومنها النظام السوري الراهن، أو نلمس اختراقاً للنظام في صفوفها.

فكيف يمكن أن يلعب الثوار لعبة الأنظمة التي يقاومونها. وكيف يتماهون بأمراضها وجنونها وجنوحها وإقصائيتها؟ بل كيف يمارسون "التقسيم" الداخلي في ما بينهم، وهم ينادون بوحدة الأرض والشعب والدولة! ومن يضمن ألا ينشأ غداً أو بعد غد تنظيمات جديدة تبشرنا بانقسامات أخرى، تنعكس من فوق، أي من القيادات، الى القواعد الشعبية؟ أكثر: ولماذا لا تكون هذه الذهنية التفكيكية مقدمة لظواهر مشابهة في مكوّنات المجتمع السوري المتعددة، ما دام "القيّمون" على القيادة… نهب التبعثر. أكثر: وماذا يضمن لمن يؤيدون الثورة السورية، ألا يقع "ثوار" الفوق… في حروب عنفية بينهم بعد سقوط النظام أو حتى قبل ذلك… كما حصل في العراق مثلاً! ونظن أن ما يوحي هذا الانقسام الفوقي الكثير من مخاطر الفوضى غير الخلاقة، والتهور، والاستئثار. وكلها موبوؤات عانتها ثورات كثيرة ابتداء بالثورة الفرنسية مع روبسبير ودانتون، وصولاً الى ما سمي الثورات "العسكرية" العربية في الخمسينات وحتى اليوم.

فالنظام السوري حاول على امتداد عقود أن يزرع الفوضى الصامتة، التابعة، الخفية، الموجهة بالعنف والإغراء، ليحول دون قيام "فوضى" منظمة تسمى انتفاضاً أو معارضة ملموسة، مرئية، مسموعة. وعندما يقمع شعب كله فيعني إسقاطه في فوضاه الخاصة، في فوضاه السلبية، في تشوشاته الاجتماعية التي يعبر عنها في ذلك الصمت المذل، والخوف المعلن، والاستسلام "المدوي". هذا ما أراده النظام البعثي وسائر الأنظمة. فالفوضى الحية المقهورة داخل المجموعات تعني قبل كل شيء قبول "القطيعية"، والخضوع، و"الحكمة" الزائفة، والأمن والأمان (المزيفين) مقابل الحرية، والتفكير، والرفض، والاختيار. اليوم، تريد المعارضة السورية (أو بعضها) أن تلعب لعبة "الأنظمة" مع الشعب الذي يقدم الشهداء يومياً، ويتحمل الجوع، والتهجير، وفقدان المنازل، والمحاصيل، ثمناً لصوته المستعاد. ثمناً لتلك الفوضى الخلاقة المناهضة لفوضى النظام القاتلة. فإنها تريد من هؤلاء المناضلين والمحاربين أن يعودوا الى دوائر المقموع، والمخضوع، وهي تملي عليهم "انقساماتها" الأفقية وغير الأفقية. فمن علٍ معارضة تعمل مشكورة في ظروف صعبة، لكن عاجزة عن التوحد، ومن تحت جموع وحّدها القهر، ووحدتها الحرية، ووحدها الموت، ووحدها الحلم، والأمل، بمستقبل يختلف عما عانته على امتداد عقود. فما هي المسافة التي يمكن أن نقيسها بين ما يجري في حمص ودمشق وحلب ودير الزور ودرعا… وإدلب، وبين ما يجري بين رفاق الثورة على جبهة المعارضة. كأنما النقيض: من تحت أطفال وشيوخ ونساء ورجال يتنادون للدفاع عن أحلامهم بأرواحهم وبصدورهم وبأصواتهم وبمصائرهم ومن فوق "جماعات" تتصرف وكأنها جاهلة أو متعامية عما يحدث في الساحات والميادين، أو حتى متعالية عن الوقائع الميدانية.

السؤال الكبير: هل يمكن القول أن المعارضة السورية قد وافت وستوافي ما آلت إليه ثورات ومقاومات عربية وغير عربية، عندما تنازعتها الخلافات، أو تقاسمتها "الدول" أو تشاطرتها أطماع الخارج، بحيث بات يفصُل كل فريق على مقاس مرجعياته؟ بمعنى آخر، هل تواجه حالياً ما واجهته الثورة الفلسطينية عندما اخترقتها "فصائل" أو أنشئت حولها "كيانات" مرتبطة بإرادات خارجية شاءت أن تصادر "الورقة الفلسطينية" أو تهيمن عليها: وهذا يذكرنا بتنامي "الجبهات"، والفرق، والانفصالات، من "ديموقراطية" الى "شعبية"، الى "نضالية"، الى "فتح" و"صاعقة"… وإلى جبريلية؟ أو لم تؤد كل هذه التشلعات الى انقسام الثورة الفلسطينية حتى في الداخل بين "فتح" والسلطة وحماس.

نحن نعرف أن ما من ثورة قامت في العالم إلا وبحثت عن حلفاء لإعانتها. فالثورة الجزائرية دعمها عبدالناصر والشعب العربي. والثورة الأميركية دعمتها فرنسا. والثورة المصرية حالفت الاتحاد السوفياتي بعدما عادتها أوروبا والولايات المتحدة. ونحن نعرف أن الثورة الربيعية السورية اليوم تحتاج الى كل ما من شأنها دعمها، على صعيد الدول، أو الأحزاب، أو المنظمات والشعوب. وهذا ما يحدث: فالسعودية وقطر وتركيا واقفة الى جانبها. وهذا طبيعي: مقابل مساندة روسيا والصين وإيران النظام بالمال والعتاد والأسلحة والمقاتلين. ليس من ثورة تنهض وحدها، وتنجح وحدها (إلاّ في النادر). لكن إذا كان مشروعاً قبول كل دعم من هذه الجهة أو تلك؛ وإذا كان ضرورياً الاستفادة من كل من يمد يد المساعدة، وإذا كان من المفيد أن تبحث المعارضة عمن يساندها، في وجه القوة الطغيانية للنظام، فإن ثمن هذه "المساعدات" إذا تجاوز الحدود فقد يصل الى مصادرة الثورة أو إهلاكها أو تبعيتها، أي الى تصفية روحها، وامتصاص دمها. ورب قائل: انه ليس هناك "هبات" مجانية… تقدمها هيئة أو نظام أو دولة للمعارضة. فهذا صحيح، فتركيا ليست جمعية البر والإحسان. وقطر ليست كاريتاس… أي كل من هاتين الدولتين وصولاً الى أوروبا، لها مصالح، وحسابات، وطموحات. نعم! تماماً كالجهات التي تدعم النظام السوري. فروسيا لها استراتيجياتها. وكذلك إيران. والصين. ولها أسواقها ونفوذها وتحالفاتها، كل هذا صحيح. فالنظام السوري، ومن فرط تراجعاته، صار رهينة في يد إيران، ومن شدة ضعفه، فَقَدَ "عناصر" المبادلة: وكما يقال باتت سوريا ورقة في أيدي "الخارج" بعدما كانت دوراً. بلا دور. وبلا إيقاع. وبلا حضور. صار وجود نظامها رهن السياسات الخارجية، والصفقات، والمطالب، والصراعات (تماماً كما جعلت سوريا من لبنان ورقة في يدها… وكانت تطمع الى قنص الورقة الفلسطينية…). وبهذا المعنى يمكن تصديق ما يقال عن سقوط النظام، لأنه فَقَدَ مكوّنات "دوره"… وكلّما دأب على الاتكال على الخارج لقمع شعبه ازداد ضعفه… وازدادت احتمالات مصادرة "سيادته" المنتهكة أصلاً باحتلال إسرائيل الجولان، وتركيا لواء اسكندرون.

فهل تكون المعارضة على الطريق نفسها؟ هل تتحول "فرقها" المنتاحرة مجرد أصداء لإرادات خارجية، أو مجرد اختراقات للنظام نفسه. فعلى امتداد أكثر من ستة عشر شهراً والشعب السوري، بفقرائه وأغنيائه وشيبه وشبانه يقدم التضحيات والشهداء. ترتكب فيه المجازر، وينحر الأطفال بوحشية "بعثية" فائقة، لا يتراجع، ولا يتقهقر، بل يسجل باطراد تقدماً في السيطرة على مناطق ومدن وقرى في بلاده حتى وصل الى حلب ودمشق… وعلى أكثر من امتداد ستة عشر شهراً تتناحر المعارضة وتتشقق باطراد وتتصدع، في صراعات معروفة ومشبوهة في آن.

وعلى امتداد ستة عشر شهراً يشهد النظام انشقاقات مدوية من جنود وضباط وفرق كاملة، وينضم ألوف المواطنين الى الثورة في ملحمة شعبية نادرة… وفي المقابل، وبدلاً من أن تلتئم هذه المعارضة الساكنة في الخارج، ها هي "تتنافس قبل صياح الديك" على السلطة. على الحكم. كأنها غير عابئة بما يجري حولها. وها هو قائد الجيش السوري الحر يهاجم "مجلس أمناء الثورة" الذي "بدأ مشاوراته لتشكيل حكومة انتقالية برئاسة المعارض هيثم المالح. ورد هذا الأخير (الذي لم يعترف يوماً بالمجلس الوطني) على الانتقادات الموجهة إليه، فرأى "أن الآخرين يريدون أن يكونوا هم الزعماء ولا دور لأحد غيرهم".

رائع! ولم يخبرنا لا أهل المجلس الوطني ولا أهالي "الأمناء" (على ماذا؟) ماذا يجري في حلب، بقدر ما يتحفوننا بما يجري بينهم في أروقة الفنادق والغرف والمؤتمرات. وكأنهم على غربة، وأنهم يؤلفون مجالس وحكومات اغتراب أكثر مما يسعون الى إنشاء نظام سياسي ديموقراطي متعدد يحترم الإنسان ودوره بقيمه العالية. فبعضهم يقول أن الحكومة الانتقالية مبكرة. وبعضهم الآخر سارع في سعيه (ومشاوراته) الى تأليفها. ولم يقل لنا أحد منهم لماذا ما زال تأليفها مبكراً… ولا لماذا هرع المالح بمجلس الأمناء الى تأليفها. فكأن المشكلة اليوم، وفي خضم الحروب الطاحنة بين المناضيلن والجنود الاحرار والنظام، تكمن في متى ستبدأ "الزعامة" ومن سيرأس الحكومة، ومن سيرأس غداً رئاسة الجمهورية، ومن سيتولى قيادة الجيش. أهذه هي مشكلتكم، وهذه هي عصارة عبقريتكم بالرد بأن الآخرين يريدون أن يعملوا زعماء. الزعامة إذاً ولو على حساب وحدة الثورة! فيا للثوار الأبرار. ويا لربطات العنق. ويا للأحذية الملمّعة. ويا للإطلالات التلفزيونية. شيء مريب ومؤسف. وكأن هؤلاء تناسوا أن ما في سوريا اليوم هو ثورة وليس مجرد تناتش السلطة. وكأن هؤلاء (ولا أستثني أحداً) يتواطئون على الثورة… والنظام يستفيد. فهل هذا صحيح. لا! ولكن سلوك المعارضين في الخارج قد يؤدي الى ذلك. وأسأل هنا المالح و غليون وزيادة ورئيس المجلس الوطني… ألا تظنون أيها الاخوان أن ما ترتكبونه وبهذه الحماقة، والتهور، والنرجسية، ألا يؤثر ذلك على "وحدة" المواجهة؟ ألا يؤثر حتى على وحدة البلاد؟ فإذا كان هؤلاء الذين نخشى أن يكونوا قد صاروا في مصنفات "المغتربين" منقسمين، فلماذا لا يفكر الشعب السوري بالانقسام على هديهم، وغرارهم، ونورهم وقناديلهم؟ فهل يمكن أن يتحمل هؤلاء مسؤولية تسلم قيادة البلاد بعد سقوط النظام، إذا لم يظهروا مسؤوليتهم في قيادة هذه الفترة الحرجة؛ فأي مسؤولية قد ينتظرها منهم شعبهم؟ التناحر على السلطة. والحروب عليها. والإلغاء المتبادل؛ وخيانة العهود والأفكار وعدم الاعتراف بالآخر. والسؤال: هل نفهم أن معارضة الخارج فاقدة أهلية القيادة، والاستشراف، وبناء دولة العدالة والحرية؟ أهم رجال دولة أم رجال سلطة؟ إنها أسئلة سنطرحها ما دام هؤلاء أو جلّهم يحفرون الخنادق في ما بينهم، وينسون الخنادق المحفورة لهم.

نقول أكثر: كأنّ هؤلاء غاب عنهم أن الأمة العربية والشعوب تراهن على ثورتهم. فكأنما غاب عنهم معاني الثورة الأصلية، وقيمها، وامتداداتها، ودورها في إدامة الربيع العربي الى حيث يجب أن تصل. كأنما غاب عنهم أن الشباب العربي، بتطلعاته الجديدة، يرى في ثورتهم، نبل النماذج، وفي شعبهم أروع الشعوب. فهذه الثورة ليست ملك "معارضة" بالخارج، ولا الخارج نفسه. إنها ملك الشعب السوري كله. ملك الأمة العربية. ملك المستقبل. فإذا كان هؤلاء فقدوا الحس بذلك فتلك مصيبة، أما إذا أعمتهم شهوة السلطة فالمصيبة أعظم.

إن هذه اللهجة المنتقدة لمعارضة الخارج، صادرة عن مرارة، مرارة كثيرين عن مآل بعض المعارضين: خصوصاً وأن المرارة هذه لا تعني سوى انخراط أهلها العميق بأحلام الشعب السوري، وبثورته. ومشاركتهم بما أمكن في تضحياته. وعندما نواجه سلوك المعارضة وممارساتها غير المفهومة… فلأننا نتكلم من داخل الربيع السوري… وليس من خارجه. من صلب الثورة وليس من أي موقع آخر.
فنحن أولاً وأخيراً مع المعارضة إذا انطلقت في مواقفها من إرادة الشعب السوري، وليس من إرادات أخرى.
نريد معارضة (وجلّ رموزها أصدقاء قدامى) لا تراهن على "جلد الدب"، بل على ملحمة شعبها!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل