ورد في تصريح للرئيس السوري بشار الأسد أنّه في مواجهة مع العدوّ. واعتبر أنّ العدوّ هو الشعب السوري الذي يناضل من أجل الحريّة ورفع الظلم والقتل، ساعيا الى هدم الظاهرة الفرعونيّة المتجلّية بالربوبيّة والألوهيّة واختصار الكلّ بالأنا. ولم يكن المقصود بالعدوّ تحديدا ذاك الصهيوني الغاصب.
الشعب هو جسم جامع عاقل، أو كتلة لها لسان وسلوك متماثلان، أو انصهار أفراد في نظام اجتماعي اقتصادي حقوقي، مع المحافظة على الخاصيّة الذّاتيّة التي تميّز مجتمع الناس عن سائر التجمّعات. إنّ مفهوم الشعب لا يحتمل أيّ التباس وليس بحاجة الى طاولة مستديرة لتحديده، فهو تنظيم سياسي خاضع لدولة ذات قانون، ويشكّل ركنها الأساسي ورعاياها، لذا فمصطلح الشعب ليس مائعا ولا هو بحاجة الى تصويب كما يدّعي أنصار الفكر القومي.
ويخضع الشعب لقوانين تراعي العدالة بتطبيق معادلة الحقوق والواجبات، ولمؤسّسات تأتي في طليعتها مؤسّسة الرئاسة، هذه التي يجب أن تشكّل بمسلكيّتها دليلا عنوانه: "كيف تكون مواطنا جيّدا". من هنا ينبغي البحث عن مدى التزام الرئاسة السوريّة بهذه المسلكيّة ومراعاة مقوّماتها.
في البداية، الرئاسة تعني المسؤوليّة، والرئيس بشر يسري عليه قانون الخطأ والصواب، ولا تسري عليه رواسب الوثنيّة أو الملكيّة في أنّ "الملك لا يخطئ". وإن أخطأ الرئيس فهو ليس محصّنا ضدّ ممارسة الشعب حقّ الإتّهام الجنائي والإدانة بالعزل أو بأكثر منه، بحسب حجم الجرم، فحيث تكون السلطة تكون المسؤوليّة. وليس أدلّ على مسؤوليّة الرئيس من الأرقام المتصاعدة للضحايا، وأوامر التسبّب بالإنتهاكات الجماعيّة وبالجرائم ضدّ الإنسانيّة، وارتكاب العدوان والتعذيب على مساحة الشعب. أوليس من حقّ هذا "العدوّ" أن يعلن الحرب على مبيده؟
إنّ العرف يقضي بأحقيّة الحماية والدفاع عن النفس، وهذا العرف ملزم كأيّ قانون، وهو أنموذج مشروع لعدالة الشعوب. أمّا في العلاقة بين الرئيس ورعيّته، فقد وصّفها الرئيس ذاته بالعدائيّة، رافعا خطوط تماس بينه وبين شعبه، ومزاولا قمعا عنفيّا ممنهجا، بحيث تخطّت المواجهة حدّ النزاع الى حدّ الإبادة. وبدلا من أن يستخدم الرئيس عقله والرويّة في استيعاب المطالب المحقّة للناس، جرّد القبضة الحديديّة للذي عنق الحق، وشلّ الصوت، وحول حلم الصّغار الى أشلاء. وأوفد جيشه بمهمّة رسميّة ليتفنّن بتنويع وسائل زهق الأرواح بوحشيّة لم تشهدها عصور الظّلام، حتى بات الشعب أسير حقد رئيسه.
والصفة العار الملتصقة بمن سوّلت لهم النفس أن يعارضوا، هي أنّهم إرهابيّون متطوّعون لدكّ سيادة الدولة. وهم جند مؤامرة كونيّة تريد النيل من صخرة الممانعة المتبقيّة في وجه التعنّت الأسرائيلي والصّلف الإمبريالي. هذه الممانعة التي تجلّت واقعيّا في الإمتناع عن رمي زهرة على الصهاينة في الجولان المحتلّ خلال عقود، وفي الإمتناع عن عدم مرافقة الإمبرياليّة الأميركيّة في حربها ضدّ العراق "الشّقيق".
نقل إبن الجوزي عن الخليفة عمر بن الخطّاب قوله في المسؤوليّة: "لو ماتت شاة بشطّ العرب ضائعة، لظننت أنّ الله سائلي عنها يوم القيامة". فمن له أذنان فليسمع.