كتبت صحيفة "المستقبل":
أضافت قوى الثامن من آذار صفحة جديدة الى سجلّها الأسود الحافل بالإعتداء على الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية وعلى الدولة وكل مؤسساتها الشرعية، من خلال الكمائن التي نصبها محازبو هذه القوى أمس لوحدات من الجيش وقوى الأمن الداخلي خلال تنفيذها مهمّة تلف الزراعات الممنوعة في جرود بلدة اليمونة ودار الواسعة البقاعية، وإطلاق النار والقذائف الصاروخية عليها ونصب الكمائن والعبوات الناسفة لها بهدف قتل أفرادها بشكل متعمّد، وهو ما أدى الى إصابة عدد من ضباط وعناصر الجيش وقوى الأمن أثناء هذه المهمة.
هذا السلوك ليس جديداً على هذه القوى التي يحفل تاريخها بهذه الأفعال بدءاً من أيام الحرب الأهلية، وصولاً الى هذه المرحلة وما بينهما، ويكاد الوقت لا يتسع لتعدادها، غير أن المثير للإستغراب أن القوى الممسكة بالحكم والحكومة، هي التي تحمي اليوم الزراعات الممنوعة، وتعطي الضوء الأخضر بزراعتها وتصنيعها وتوضيبها وحتى شحنها وتصديرها، والشواهد على ذلك كثيرة وحيّة وآخرها الفضيحة التي كشفت فصولها عن مصنع للحبوب المخدرة في البقاع تعود ملكيته لشقيق نائب في "حزب الله" وضبط أطنان من هذه المخدرات في مصنعه، وبقاء هذا الشخص حراً طليقاً، والمؤسف أيضاً أن السلاح الذي تتصدى به العصابات للدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، هو السلاح نفسه الذي يحمل صبغة "سلاح المقاومة"، وهو ما يحمل على السؤال: إذا كان السلاح المخصص لمحاربة إسرائيل يحمل صفة القداسة، لماذا يكون السلاح الذي يحمي زراعة الحشيشة والمواد المخدرة مقدساً أيضاً؟، هل ان مَن يطلقون النار وقذائف الـ(آر بي جي) على دوريات الجيش وقوى الأمن الداخلي خلال تلف الممنوعات هم مقدسون؟، وهل ان من ينصب الكمائن للجيش والقوى الأمنية ويمطرها بالنيران، ويزرع لها العبوات الناسفة يكون في مهمة مقدسة؟
من راقب مواقف وزراء ونواب وسياسيي فريق الثامن من آذار خلال الأسابيع القليلة الماضية، ودفاعهم المزعوم عن الجيش وما أسموه زوراً إستهداف الجيش من خلال مطالبة فريق 14 آذار بتحقيق العدالة في قضية إغتيال الشيخين أحمد عبد الواحد ومحمد مرعب، يعتقد أن هؤلاء أتوا من جمهورية أفلاطون، وأنهم بناة الدولة والمدافعون عنها وعن قواها الشرعية، بينما هم اليوم حماة من يقتل عناصر الجيش والأجهزة الأمنية عندما تطبق القانون سواء في إتلاف نبتة السم الأبيض، أو خلال إزالة مخالفات البناء، أو خلال تعقب مطلوبين للعدالة، أو على شاكلة حماية من قتل النقيب الطيار الشهيد سامر حنا وأسقط طائرته على الأراضي اللبنانية في الجنوب.
طبعاً ليس مطلوباً الآن ترقب ما سيصدر عن الجنرال ميشال عون، الذي أقام الدنيا وأقعدها عند توقيف الضباط المتهمين بإعطاء الأمر بإغتيال الشيخين عبد الواحد ومرعب، وأشعل المنابر بتصريحاته النارية كما أشعل الطرق وقطعها بالإطارات المحروقة، ووصل به الأمر الى حد التجريح الشخصي والإساءة الى الشهيدين، من المؤكد أن الجنرال سيبلع لسانه في هذه الأيام، ولن يعتلي منبر الرابية، ولن يدعو أنصاره الى النزول الى الشوارع وقطعها تضامناً مع الجيش ودفاعاً عنه، لأن من يعتدي على الجيش هم الحلفاء وأنصار الحلفاء، أي الذين هم فوق المحاسبة حتى انهم فوق الإنتقاد، وهنا تغيب عن ذاكرة الجنرال شعارات المبادئ التي أصمّ آذان اللبنانيين في تردادها خلال الأيام الماضية.
في هذا الوقت أوضح مصدر أمني لـ"المستقبل"، أن "محاولة كسر القوى الأمنية والجيش من خلال استهدافهما وتخويفهما لن تنجح". وأكد المصدر أن "لا أحد أقوى من الدولة"، وقال "صحيح أن هذه المجموعات قد تفلت لبعض الوقت من الملاحقة أو قد تلجأ الى من يحميها، لكن على المدى البعيد إن الدولة هي التي تنتصر، ومؤسساتها هي التي تسود"، لافتاً الى أن "ما حصل في جرود اليمونة من إستهداف للجيش والقوى الأمنية، معركة في سياق حرب طويلة ستكون الغلبة فيها لمنطق الدولة والحق والقانون".