كتب محمد مشموشي في "المستقبل":
من حق بعض اللبنانيين، وتحديداً أولئك الذين كانوا الى ما قبل أيام يرون في "حزب الله" وفي أمينه العام السيد حسن نصر الله قيمة لبنانية مضافة، أن يشكروه على حقيقة نواياه التي كشف عنها في خطابه يوم الأول من آب الجاري… حقيقة أنه لم يتقدم ليحكم لبنان بعد العام 2000، مع أن ذلك حقه على غرار كل حركات المقاومة في العالم، وأنه يريد بدلاً من ذلك فرض وصايته عليه. وأكثر من ذلك، أنه لم يفكر في حكم لبنان زمن الوصاية السورية عليه، لأن تلك كانت كافية لتحقيق المراد، لكن المستقبل لا بد أن يكون مختلفاً لسبب بسيط هو أن سوريا نفسها تتجه الى أن تصبح مختلفة.
ولنقرأ بعض ما قاله السيد حسن في خطابه:
"ان لدينا نظاماً سياسياً طائفياً يخاف من الأميركيين، ويخاف من القبول بأن تسلح إيران الجيش.. أو حتى أن تزود لبنان بالكهرباء… وفي حال كان للدولة جيش قوي، وكانت لديه أسلحة مناسبة، فخوف النظام من الأميركيين كفيل بمنعه من استخدام ما يملكه".
"اذا لم ترد الدولة أن تضع هكذا استراتيجية (استراتيجية تحرير)، فمن حق أهل الجنوب وأبناء العرقوب وأي لبناني أن يقول إن هناك أرضاً محتلة ونحن سنقوم بالواجب…لأن تخلي الدولة عن وضع استراتيجية تحرير يعني ايكال هذه المهمة للشعب".
"من يتحدث عن تسليم سلاح المقاومة للجيش، إنما يضيع المقاومة ويفرط بالجيش… وعندما يكون السلاح لدى الجيش، يكون في إمكان الطائرات الإسرائيلية أن تدمره… واذاً، يكون مطلوباً توفير حماية جوية ل"ه.
"ان الذي يحمي لبنان اليوم هو توازن الردع والرعب مع إسرائيل، وفي اللحظة التي يصبح فيها السلاح تحت إمرة الدولة يفقد قوته في الردع، ويمكن للأميركي حينها أن يطلب من المسؤولين عدم الرد على أي اعتداء إسرائيلي، وبالتالي أن يستبيحنا… فالاستراتيجية المناسبة حالياً هي وجود جيش قوي ومقاومة قوية ووجود تناغم وتنسيق بينهما".
ماذا يعني هذا الكلام؟
من النظرة الأولى لمحتوى الخطاب، يبدو جلياً بشكل لا لبس فيه أن السيد حسن يعتبر نفسه خارج النظام السياسي اللبناني (النظام الطائفي)، وبالتالي خارج الدولة القائمة ولو أن يعيد ذلك الى كون النظام يخاف من الأميركيين. لكن كونه خارج النظام والدولة، لا يعني أنه يقبل بأن يتعايش معهما، أو بأن يعيش تحت إمرتهما، أو حتى بأنه يخطط لتغييرهما الآن أو في المستقبل، وإنما ببساطة شديدة إنه يريد فرض الوصاية الكاملة عليهما… وصايته وطبعاً وصاية إيران والولي الفقيه.
وعلى افتراض حسن النية، وأن الموضوع يتعلق فقط بتحرير مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا والجزء المحتل من قرية الغجر، فالمطلوب وضع استراتيجية تحرير لهذه المناطق على قاعدة سلاح الجيش "غير الموجود" ما دام ممنوعاً عليه أخذه من إيران، وسلاح "حزب الله" الذي لا قرار ولا رغبة بتسليمه للجيش ولا حتى وضعه تحت إمرته، أياً كان رأي الدولة والشعب اللبناني في ذلك.
وإذا لم يكن النظام "الذي يخاف من الأميركيين" يستطيع أن يضع هذه الاستراتيجية، أو لم يكن يريد لسبب من الأسباب أن يضعها، فمن حق أي لبناني (فضلاً عن حزب مثل "حزب الله") أن يضعها من ناحيته، بل وأن يبادر الى تنفيذها بقرار ذاتي من دون العودة الى الدولة أو استشارتها فضلاً عن التصرف على أنها موجودة أصلاً.
لماذا؟. يرد السيد حسن بالقول: لأن الدولة تكون في هذه الحالة قد تخلت عن دورها وواجباتها في تحرير الأرض المحتلة.
هل يعني ذلك، من وجهة النظر ذاتها، أنه يمكن إذاً لأي لبناني أن يبادر الى أخذ حقه بيده في اليوم الذي يرى فيه أن الدولة تخلت، أو حتى قصرت، عن ضمان حقوقه الطبيعية: في الأمن الشخصي، أو العدل، أو الصحة والتعليم والعمل، أو ما يمكن وصفه بالحياة الحرة الكريمة إلخ…؟.
ليس هذا السؤال مهماً في كل حال. سيقول السيد حسن فوراً إن ذلك غير مقبول، لأن الحال عندها ستكون أشبه بشريعة الغاب، تماماً كما كرر في خطابه أنه مع إصراره على استراتيجية التحرير، جنباً الى جنب مع الاستراتيجية الدفاعية، فهو كان وسيبقى على استعداد للمشاركة في "الحوار الوطني" الذي يرعاه رئيس الجمهورية للبحث في جدول الأعمال وإعطاء رأيه الصريح في كل بند من بنوده.
ورأيه بات معروفاً من وحي ومضمون خطاب نصرالله، وهو يقوم على قاعدة أنه لا بد من استراتيجية للتحرير وفضلاً عن الاستراتيجية الدفاعية، لكن من ضمن الأمر الواقع الذي لا فكاك منه: لا حديث عن سلاح "حزب الله"، ان لجهة التخلي عنه أو لجهة تسليمه للجيش أو لجهة إعطاء الجيش الإمرة عليه، لسبب واحد ووحيد لا مجال لإعادة النظر فيه ولا حتى لمناقشته وهو، كما قال السيد حسن بصريح العبارة، أن نتيجته ستكون "تضييع المقاومة والتفريط بالجيش".
من حق اللبنانيين، أو بعضهم الذين كانوا يتوهمون غير ذلك، أن يشكروا الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله على كشف حقيقة موقفه من مستقبل لبنان: لا للنظام والدولة في هذا البلد إذا لم يكونا تحت وصاية الحزب، أقله كما كانا تحت الوصاية السورية في خلال الأعوام الماضية.
فهذه الدولة التي تخاف من الأميركيين، ضعيفة أو قوية كما قال، ليست دولته الآن ولا يمكن أن تكون في المستقبل المنظور. وفي موضوع تحرير الأرض والدفاع عنها، فمن حقه كأي لبناني أن يأخذ القضية بيده لأن لا أمل في أن تتولاها هذه الدولة.
وعلى اللبنانيين أن يضعوا هذه الحقيقة في حسبانهم من الآن.