#dfp #adsense

“العجيب” يتحدث عن الهيبة!

حجم الخط

"محفلط مزفلط كثير الكلام عديم الممارسة عدو الزحام
بكام كلمة فاضية وكام اصطلاح يفبرك حلول المشاكل أمام" (أحمد فؤاد نجم)

كتب عضو المكتب السياسي في "تيار المستقبل" النائب السابق د. مصطفى علوش في صحيفة "المستقبل":

يروى أن أبي حنيفة النعمان الإمام الكبير والمرجع الشرعي، كان مصاباً بالتهاب في مفاصل الركب، فكان يمد ساقيه في مجلسه بعد استئذان تلامذته. في أحد الأيام أتاه رجل مهيب الطلعة، حسن الهندام، يتهادى بوقار متجهاً إلى المجلس، عندها تنبه أبي حنيفة فسحب ساقيه الممددتين وتربع تربع الشيخ الجليل احتراماً لحضرة "الضيف الكبير"، فلا شك أنه أتاه لحديث شديد الأهمية.

جلس الزائر دون كلام للحظات طويلة حبست أنفاس التلامذة، إلى أن كسر الصمت بسؤال من دون مقدمات متوجهاً لأبي حنيفة قائلاً "يا أبي حنيفة اني سائلك فأجبني" فشعر الإمام بثقل الوضع فلا بد أن السائل ذو علم واسع واطلاع عظيم فقال له: "تفضل واسأل".

فقال الرجل: "إن كنت عالماً قادراً على الفتوى قل لي متى يفطر الصائم؟".

فظن الإمام بأن السؤال امتحان وأن السائل يبحث عن الباطن لا عن الظاهر فأجاب ببساطة: "يفطر إذا غربت الشمس" فقال الرجل ووجهه ينطق بالجد والحزم وكأنه وضع الإمام في مأزق "ماذا لو لم تغرب الشمس في أحد الأيام فمتى يفطر!؟".

فتبسم أبي حنيفة وقال: "آن لأبي حنيفة أن يمد ساقيه!".

العبرة من هذه القصة هي أن حتى رجلاً بعلم وفراسة أبي حنيفة يمكن أن تأخذه المظاهر فتخدعه لفترة من الزمن.

بصراحة عندما سمعت حديث رئيس الحكومة الحالي عن هيبة الدولة ولاحقاً عن حاجة لبنان إلى حكومة يشارك فيها الجميع، خطرت ببالي تلقائياً قصة أبي حنيفة، فكثير من الناس يتمتعون بحسن المنظر وطول القامة وحسن الهندام، وكلها بالطبع مظاهر قد تأخذ الناس للوهلة الأولى، وقد يتمكن البعض من إقناع الكثير من الناس من خلال تكرار مجموعة من الكلمات المحفوظة عن التوازن والوسطية والأمان، وقد تأتي أيضاً ظروف وتقاطعات لبعضهم لتوحي لكثير من الناس بأن هؤلاء البعض هو رجال المرحلة القادرون على القيادة والنبوغ والنجاح. ولكن، وعندما تأتي لحظة الامتحان تنهار كل الهيبة وتفرغ كل الشعارات وتسقط كل الآمال.

قليلون منا يختلفون على حسن منظر الرئيس نجيب ميقاتي، ولا شك في أن الكثيرين أخذوا بحديثه الهادئ والمتوازن بغض النظر عن مضمونه، والمؤكد هو أن معظمنا اعتقد بأن قناص الفرص تمكن من الظفر بفرصته التي لا بد أن تكلل بالنجاح.

لقد ظن الجميع يومها بأن الرئيس ميقاتي لم يكن ليتولى رئاسة الحكومة إلا بعد اتفاقات واضحة المعالم مع رعاته المحليين والإقليميين تمكنه من تحقيق نجاحات واسعة تنسي الناس التعسكر وراء "تيار المستقبل" و آذار، وشعاراتها عن الحرية والسيادة والاستقلال التي لا تطعم خبزاً، ولمَ لا العودة والتعايش مع سلاح "حزب الله" الفئوي والمذهبي لضمان السلم الأهلي وتفادياً للفتنة؟ ولا بأس إن كان لبنان جزءاً من معسكر الممانعة مع إيران وسوريا، فماذا أتانا من معسكر أميركا والمعتدلين العرب؟ فلم يتنطح أحد منهم لمد يد العون عندما قام حزب الله بغزواته في الحرب وفي السياسة!

بالطبع لم يكن أحد يعتقد يوم استدعاء دولته من قبل السيد حسن نصر الله لرئاسة الحكومة بأنه ذهب إليها دون هدى لمجرد أنها أتته من عالم الغيب، فتلقفها معتقداً أنه، بتقيته وفطنته وحواريته، قادر على استدراج الجميع إلى ملعبه، وهناك البعض المشكك من أمثالي الذي أكد بأن الرئيس ميقاتي هو في الأساس جزء من منظومة سياسية وضعها النظام السوري منذ سنوات، وما زال يديرها بالترهيب والترغيب، أو من خلال احتفاظه بملفات تكسر العين، فكما نعلم نادراً أن يكون هناك عاقل يتبع النظام السوري عن قناعة ما.

ولكن، وبغض النظر عن ذلك كله، لكان معظم اللبنانيين راضين عنه، لا بل مؤيدين له، لو أن دولته تمكن من النجاح في ملف واحد مهم على مستوى الاستقرار الذي وعدنا به. فلا الانقسام السياسي في لبنان تحسنت معالمه، ولا الفتنة التي وعدنا بمنعها باتت أبعد مما كانت، ولا النأي بالنفس أدى إلى تعافي الاقتصاد، وكلنا يعلم بأن كل المعالجات من زيادات على المعاشات وتصحيح سلسلة الرتب والرواتب ومعالجة قصة المياومين، ما هي إلا حلول تضليلية أتت فقط تحت الضغط السياسي، ولن تلبث هذه الحلول أن تنعكس بشكل حاد على المالية العامة في ظل انعدام الموارد المالية المحتملة لتغطية هذه التقديمات، وفي ظل انكماش اقتصادي يجعل من أي زيادة على الضرائب بمختلف أشكالها سبباً لزيادة الانكماش.

من حق الرئيس نبيه بري أن ينعى هذه الحكومة التي لو نظرنا في تركيبتها لرأيناها تشبه أي شيء إلا الحكومة فهي تجمع المتهمين بالقتل مع الفاسدين مع المفتنين مع خائني العهود، وكل منهم عينه على هدف يتناقض مع الآخر. قد يكون الشيء الوحيد الذي يجمعهم هو ارتباط وجودهم الفاعل بالنظام السوري، وهذا بالأساس كان سبب اجتماعهم، أما اليوم، وبعد ظهور بوادر انهيار من كان يجمعهم فلا بد أن يكون لذلك انعكاس خطير على تركيبة الحكومة.

أنا لا أدعي أن الوضع في ظل حكومة أخرى كان سيحول الأمور إلى سمن على عسل، ولكن الأكيد هو أنه في ظل الظروف الخطيرة التي نعيشها محلياً وإقليمياً، فمن المنطقي أن تكون هناك حكومة تنأي بنفسها حقاً عن الاصطفاف السياسي وتسعى إلى الحد الأدنى من التماسك الوطني إلى حين انقشاع العاصفة.

أما بالعودة إلى حديث دولته عن الهيبة ومثيلاتها فقد آن للمواطن أن "يمد ساقيه".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل