#dfp #adsense

“الجمهورية”: المعلومات التي “أقلقت” الكنيسة على المصير

حجم الخط

كتب أنطوان فرح في صحيفة "الجمهورية":

فاجأت بكركي اللبنانيين في الاجتماع الاخير للمطارنة الموارنة ببيان ختامي حمل الطابع الاقتصادي من حيث الشكل، وتطرق، من حيث المضمون، الى ما يشبه المؤامرة هدفها إسقاط لبنان بمفهومه القائم. هذه «المؤامرة» يُفترض أن تمر عبر البوابة الاقتصادية. وبدا البيان الاستثنائي وكأنه نتاج فكر اقتصادي-سياسي عميق، لا يمكن إلا أن يكون من صنع فريق عمل متخصّص أعتمدت عليه بكركي للوصول الى الحقائق التي كشفتها للرأي العام.
لا يحتاج من يقرأ البيان الاخير الصادر عن اجتماع المطارنة الموارنة في المقر الصيفي في الديمان، سوى ان يتساءل ما الذي استجد من معلومات لدى بكركي على المستوى السياسي- الاقتصادي (politico-économique) لكي تصل بها الامور الى حد القول، ان الكيان اللبناني مهدّد، وان الوضع الاقتصادي المنهار، بالتزامن مع ما يجري في المنطقة، قد يشكّل بوابة عبور للمؤامرة التي قد تصل الى التوطين، (التوطين قد يقود الى التقسيم أيضا)، او تغيير وجه لبنان من خلال "الانحراف عن جوهر اتفاق الطائف القاضي بالمناصفة".

هذا الكلام يعكس عمق المعلومات التي باتت تملكها بكركي، حول ما يجري على المستوى الاقتصادي. ومن البديهي، ان تحليلا اقتصاديا متكاملا، كما هي حال البيان، ليس من عمل المطارنة ورجال الدين الذين ليس بينهم خبراء اقتصاد، بل انه نتاج تعاون مع خبراء ومطلعين على بواطن الامور. وهذا يعكس انفتاح بكركي الايجابي للتعاون مع المجتمع الاهلي المدني لإنقاذ البلد.

في تفاصيل بيان بكركي الاقتصادي، توصيف لأسباب الأزمة، وهو يتحدث عن "الهدر في الإنفاق على المشاريع". وفي هذا السياق، يمكن إعطاء أمثلة ونماذج عديدة لا تُحصى، آخرها نموذج بواخر الكهرباء، التي كشف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ان فيها رشاوى وسمسرات، ومن ثم اضطر الى تمريرها. وتحدث البيان كذلك عن "فقدان القرار في الدولة بسبب الانقسامات السياسيّة العميقة، وعدم وجود رؤية موحّدة واضحة، وطغيان المصالح الخاصّة أو الفئويّة على المصلحة العامة".

لكن الأهم يبقى في اقتراحات الحلول التي قدمها المطارنة الموارنة لاصلاح الوضع الاقتصادي، وهي اقتراحات ترسم معالم مشروع متكامل تتبناه بكركي، وبات من المسلمات الى جانب المسلمات الوطنية والسياسية التي يؤمن بها الصرح البطريركي.

وفي هذا السياق، تبنّت بكركي فكرة دعم الخصخصة من دون تسميتها، عندما ذكرت أن "ليس للدولة في النظام الاقتصادي الحرّ أن تحتكر السلطة والقرار وتدير مباشرة كل الاقتصاد، كما في الدول والأنظمة التوتاليتارية". وفي هذا الكلام دعوة صريحة الى استكمال مشاريع الخصخصة، التي تعثرت لأسباب غير واضحة تماما، قد يكون أحدها، الاختلاف على تقاسّم المغانم التي قد تنشأ عن بيع قسم من القطاع العام. ومؤخرا، برزت مشكلة جديدة في وجه استكمال تخفيف قبضة الدولة عن المرافق الحيوية، تمثلت بتبنّي مشروع الشراكة بين القطاعين العام والخاص. هذا المشروع من شأنه أن يخفّف من منسوب الفساد في عقد صفقات البيع، بعدما تبين ان لا إمكانية لبيع المرافق العامة الى القطاع الخاص، من دون التعرّض للفساد والرشاوى وفوز المحاسيب بحصة الاسد. في اقتراح الشراكة، تتراجع نسب الفساد. هذه الشراكة دعا اليها بيان بكركي، وبذلك يكون المطارنة الموارنة قد حثّوا رئيس الحكومة على الاسراع في إنجاز هذا المشروع الذي يتحدث عنه منذ اشهر من دون أن يقدّم اثباتا على جديته في تمريره في الحكومة، ومن ثم في المجلس النيابي لإقراره.

ومن اللافت أيضا، أن تكون بكركي دعت الى احياء المجلس الاقتصادي الاجتماعي، الذي تحوّل ملفه الى قصة ابريق الزيت. كلما اجتمع اثنان من المسؤولين في الدولة، طالبا باحياء هذا المجلس، من دون ان يؤدي ذلك الى أي خطوة عملية في هذا الاتجاه. وصارت المطالب بالمجلس الاقتصادي الاجتماعي شبيهة بتمسّك كل دول العالم بسيادة واستقلال لبنان ابان الاحتلال السوري للبلد. يومها كانت الدول تعطي الضؤ الاخضر لاستمرار الوصاية، وتصرّح بتمسكها بالسيادة اللبنانية. هذا الامر يكاد ينطبق على الاطراف السياسية التي تدعي دعم المجلس في العلن، وتستميت من اجل منع عودته في الخفاء. ذلك أن النجاح غير المدفوع غير مُرحّب فيه في أقبية المصالح الخاصة.

ولعل النقطة الاخرى الملفتة في بيان بكركي، تتمثل في الدعوة الى انشاء "صندوق خاص لمعالجة الدَّين العام وإنشاء صندوق للطاقة، وإعادة هيكلة قطاع الكهرباء والإسراع في تشكيل الهيئة الناظمة له ولسواه من القطاعات، والتعاقد مع شركات متخصّصة باستخراج النفط بشفافيّة مطلقة ومن دون تسييس أو فساد، وذلك قبل أن توضع الأيدي على جزء كبير من حقول النفط والغاز الطبيعي في مياهنا الإقليميّة، وتتسبب لنا بحروب جديدة نحن بغنى عنها".

الحلول التي تقترحها بكركي فيها مواقف تلامس السياسة، ومن ضمنها، الاشكالية التي قد يتسبّب بها ملف النفط في البحر. مقاربة هذا الموضوع بالنسبة الى المطارنة الموارنة تتم من زاويتتن اساسيتين: تحاشي الفساد والتنفيعات في التلزيمات، وإبعاد الملف عن الاستغلال السياسي والعسكري، بحيث لا يتحوّل الى سبب لاندلاع الحرب. وفي هذا الموقف اشارة واضحة إدخال حزب الله ملف الثروة النفطية في لبنان في ملف الحرب مع اسرائيل. ومن الواضح ان بكركي رافضة لهذا المنطق. فاكتشاف الثروات الطبيعية في البلد يجب ان يشكل قاعدة لتحسين مستوى معيشة الناس، والتمتع بالرغد والبحبوحة، لا أن يتحول الى مادة للحرب والتعتير والمزيد من الهموم الانسانية والاقتصادية.

ما قدمته بكركي في البيان الاخير هو اول الغيث، وللملف تتمة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل