تقتضي الموضوعية بالاعتراف للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بأنه كان سباقاً في تلمس حال "اكثريته" و"حكومته" قبل ثلاثة اشهر تماماً، اي مع نشوء ما سمي ازمة المياومين، حين بادر الى انتقاد انتقال صفة "المياومة" الى السياسات الحكومية. بطبيعة الحال، لم يسلم "حزب الله" من الاستدراج الذي مارسته القوى الحليفة له، وهي المشهود لها بطول الباع وشدة المراس في الاستدراج، الى هذه الآفة، آفة حكومة تفيق صباحا على هم جديد ولا تورثه الى صباح اليوم التالي، ولا يستقيم معه همّ مقيم حتى يطمسه همّ متناسل او طارئ. وهو ما يشكل واقعياً تسيباً في السياسات وتفلتا في التخبط وتفككاً في القيادة. وبمعزل عن التوزيع "النسبي" في تحمل مسؤولة الانزلاق الى هذه المياومة الحكومية والاكثرية، فان اسوأ ما ادت اليه هو تسيبها بل تحريضها الضمني والعلني على تفشي عدوى العصيانات المدنية الجوّالة في البلاد محمولة بالتحفيز الذي يسببه نجاح عصيان من هنا وعصيان من هناك في تطويع كلمة الدولة وجرّها الى التنازل بالمنطق القسري والعنفي. كما ان اسوأ الاسوأ هو ان تضحى القوى السياسية الحكومية في حال مكشوفة من الازدواجية، بحيث تدوس بنفسها منطق الدولة والمسؤولية على غرار تسوية المياومين التي أبرمها اتفاق ثلاثي بين اطرافها المعروفين فيما الحكومة كسلطة اجرائية تمتلك حصرية المسؤولية تتفرج على فرسانها الثلاثة من بعد كأنها غير معنية بما جرى. حتى ان مجلس الوزراء صاحب الكلمة الفصل في تسيير امور البلاد وتقريرها، ربما بالكاد اخذ علماً بالتسوية الثلاثية بفعل كرم اخلاق ابطالها لا اكثر. ولكن ما ان حطت هذه الأزمة رحالها حتى فرّخت بوادر عصيان آخر اشد بأسا هذه المرة لأنه عصيان مسلح محمول بأبعاد اجتماعية وعشائرية تاريخية استعصت معالجتها على الجمهورية اللبنانية منذ نشأتها وحتى ما قبل، اي ايام الانتداب الفرنسي. في البقاع الشمالي حيث الحرمان القاهر التاريخي يوازي ويفوق حرمان عكار، اصطدم الامن مجددا بمركّب خطر ملتهب يستحيل في مواجهة التسليم بتفشي زراعة الحشيش مجدداً ويستحيل في الوقت نفسه صمّ الآذان عن واقع الحرمان والفقر وهجرة الانماء ويباس العافية في تلك "الملحقات" النائية المنسية الا عند "حوربة" الحزبيات والزعامات والحاجة الى "الرجال".
سنسمع اناشيد كثيرة في استفاقة مفاجئة غداً عن حقوق "الملحقات" كما عن حقوق المياومين وسائر رعايا لبنان الهائمين في جنة العتمة والفقر والافلاس واليباس المتسع في انحاء الجمهورية. وسنسمع اكثر عن فداحة التعرض للأمن في اجتثاث آفة الممنوعات وزراعتها. لكن اين كانت الاكثرية الحكومية حين "خططت" لهذه الادارة "الناجحة". وهل تراها تمتلك "مخططاً توجيهياً" او خارطة طريق لانهيار الازمات المتعاقبة والمتراصفة واحدة تلو الاخرى في ما تبقى من عمرها المرصود لهذا الزمن؟ فعلاً انهم مياومون على الاقل!