#dfp #adsense

الألعاب الأولمبية الحربية: نظرية نصر الله في “توازن الرّعب”

حجم الخط

مطبّان يجدر الإحتراز منهما في معرض الردّ على كلام السيد حسن نصر الله حول الأنظمة الإقليميّة الداعمة لـ"المقاومة"، وحول "توازن الرّعب" الذي تشكّله هذه "المقاومة".
المطبّ الأوّل. عندما يسترسل "حزب الله" من خلال زعيمه في الحديث عن أفضال النظامين السوريّ والإيرانيّ على "مقاومته"، لا ينفع الردّ بالنفي. هذا بديهيّ، من ناحية أنّ "حزب الله" يستمدّ شروط وجوده واستمراره، وتمويله وامداده وارشاده، من النظامين السوريّ والإيرانيّ وليس من الدول الغربية أو الدول العربية. لكنه غير بديهيّ أبداً، تبعاً لخلاصات ذلك، إذ انّ اقرار "حزب الله" بفضل النظامين السوريّ والإيرانيّ عليه، يستتبع اقراراً بفضلهما على تحرير الأرض اللبنانية من العدوّ الإسرائيليّ، والغرض من ذلك إحراج الخطاب السياديّ الداعي للمزاوجة بين "انجازي تحرير الجنوب والإستقلال الثاني"، فضلاً عن الخطاب المتضامن مع الثورة السورية. إلا أنّ هذا الإحراج ينبغي أن ينحصر فقط بأصحاب اللغة الخشبية، التي تعترف بـ"الشرعية الكاملة لسلاح حزب الله" إلى حين تحرير الجنوب، ثم تطعن في هذه الشرعية شيئاً بعد شيء كلّما ابتعدنا عن لحظة تحرير الجنوب. في المقابل، لن يشعر بالحرج من لا يقرّ لـ"حزب الله" بأي شرعية كاملة أو مطلقة لسلاحه في أيّ يوم من الأيّام، بل يتعامل بشكل نسبيّ تماماً مع الموضوع، ويربطه بالإطار الوطنيّ الذي اندرج في اطاره هذا السلاح أو ابتعد عنه، وبرزمة القرارات الدولية التي تناغم معها عملياً اداء هذا السلاح، بصرف النظر عن مشكلة حملة السلاح مع هذه القرارات على الصعيد العقائديّ أو الدعائيّ. بالتالي، فإن اصرار أمين عام "حزب الله" على التذكير بأفضال النظامين السوريّ والإيرانيّ على مسلّحيه ينبغي أن يحمل أهل الإستقلال اللبناني الثاني الى الخروج من اللغة الخشبية، المصرّة إلى الآن على امتداح الحزب الخمينيّ لادائه في عقد التسعينيات. بمعنى آخر، السيد نصر الله يقدّم خدمة ثمينة للحركة الإستقلالية، شرط أن تحسن التقاطها: هو يعفيها من تلك الصورة المثالية التي ابتدعتها عن اداء "حزب الله" في مرحلة من مراحله، ويذكّرها بأنّه كان على الدوام الحزب المرتبط عضوياً بالنظامين السوريّ والإيرانيّ.

كذلك، فإنّ اصرار "حزب الله" على التفاخر بما قدّمه له النظامان السوريّ والإيرانيّ، انما يفتح على مشكلة أكبر، خصوصاً ان هذا التفاخر أتى عام 2009 في معرض التضامن مع النظام الإيرانيّ ضدّ الثورة الخضراء، ثم التضامن مع النظام السوريّ ضدّ الثورة الشعبية الشاملة. هنا، يكشف الحزب عن خصوصيته في تاريخ حركات المقاومة: انه يعتاش على قمع النظامين السوريّ والإيرانيّ لشعبهما. طبعاً، هناك حركات مقاومة وتحرير وطني كثيرة كانت تتلقى دعماً من أنظمة تقمع شعوبها، ولا ضير في ذلك طالما هي تحتاج الى هذا الدعم، لكن "حزب الله" له سياق آخر، انه يحتاج عضوياً لهذا القمع الذي يمارسه النظامان ضد الثورة الخضراء المهزومة، وضدّ الثورة السورية التي تتجه لأن تكون مظفّرة، بل انه يرفد هذين النظامين بالعدّة الأيديولوجية والدعائية وبالخبرة الأمنية لقمع هذين الشعبين. وهذا يعني المزيد من الطعن(مع مفعول رجعي) بالسردية التي تنسب الى "حزب الله" صفات مقاوماتية، أو تسبغ هذه الصفات بطابع الشرعية. عندما يقول ان جنرالات "خلية الأزمة" من كبار الداعمين لحركته المسلّحة، لا ينفع النفي. نعم، هذا صحيح، وصحيح للغاية، وهو ما يثبت أنّ حركته جزء من عملية قمع أكثر من شعب في وقت واحد.

أما المطبّ الثاني، فيتصل بـ"توازن الرّعب" الذي يكثر السيد نصر الله التباهي به.
عندما يقول انه حقّق توازن الرّعب مع العدو، لا ينفع الردّ عليه بأن هناك عدم تكافؤ بين سلاحه وسلاح العدوّ، فهذا بديهيّ. وكلّ ردّ نمطي من هذا القبيل يخدم حجّة "حزب الله" بشكل أو بآخر.

أجل، يمكن أن يحقّق "توازن للرّعب" بين سلاحين غير متكافئين، والسيد نصر الله محقّ في ذلك، ذلك أنّه يفرّق تماماً "سعة الإيذاء" المتفاوتة بشكل تام بينه وبين العدوّ و"واقع التأذي" حيث يمكن أن يتضاءل بالفعل مستوى التفاوت. ان مجتمعاً صناعياً يمكنه ان يؤذي المجتمع الماقبل صناعيّ اكثر، لكن مستوى "التأذي" يمكنه، أن يكون متقارباً، خصوصاً انه يستند الى حد كبير على عوامل معنوية وذاتية.

في هذا، لا بدّ من اعطاء الحقّ للسيد نصر الله، انما بشكل جزئيّ، لن يلبث حتى يرتدّ الى نقيضه. ذلك انّ، "توازن الرّعب" الذي يتحدّث عنه ليس أبداً من قبيل البحث عن "منظومة ردع دائم". هدفه من "الاستراتيجية الدفاعية" ليس "استراتيجية تفادي الحروب مع العدوّ"، وانما توازن رّعب يحتكم الى الرّعب بشكل دوريّ أو موسميّ لاثبات نفسه، أي استراتيجية تحتاج الى اثبات عجز آلة الحرب الاسرائيلية عن تدمير المقاومة اللبنانية في مقابل تدمير البنية التحتية وتفجير المجتمع اللبنانيّ الهشّ كلّ بضعة سنين. نعم، هذا شكل من أشكال "توازن الرّعب". لكن ما ينساه السيد حسن نصر الله، انه "توازن رعب" مثير للرّعب لبنانياً، بل ويحكم على لبنان بالانهيار ككيان ومجتمع ودولة.

فـ"توازن الرّعب" يمكن أن يكون عنواناً لاستراتيجيتين دفاعيتين، فإما ان يكون معنى التوازن هو الردع المتبادل، وهذا ما لا يريده حسن نصر الله، واذا اراده ما عاد بامكانه ان يقول عن نفسه "أنا مقاومة" بل صار يقول بشكل أو بآخر "أنا قائد الجيش النظاميّ"، واما أن يكون معنى التوازن هو استراتيجية حروب موسمية او دورية بين "حزب الله" والعدوّ الاسرائيليّ، واذاك فمن المعيب تماماً القول انّها استراتيجية لا تحتاج الى اجماع وطنيّ. السيد نصر الله محقّ تماماً عندما يقول انه عندما يتعرّض بلد لغزو لا يحتاج المدافعون عنه لإجماع وطنيّ للدفاع عنه، لكنه عندما يتحدّث عن "توازن الرّعب" يفقد هذه الحجّة للأبد، لأن توازن الرّعب كما يفهمه، يستوجب حكماً "استراتيجية حروب دوريّة" بوتيرة مشابهة لايقاع الألعاب الأولمبية.. وهذه اما ان تحتاج الى اجماع وطنيّ، ما هو مستحيل عملياً، واما ان تهيمن دون اجماع، فتصير حرباً على الفكرة الوطنية، وعلى منظومة الحد الأدنى من القيم الأخلاقية في أي مجتمع بشريّ.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل