لا يمكن الحديث عن انتفاضة الاستقلال من دون الإتيان على الظروف المؤسّسة لهذا الحدث، وفي طليعتها لقاء «قرنة شهوان» الذي أدّى إلى جانب بكركي دوراً طليعيّاً في تهيئة المناخات الداخلية الوطنية وقد أدّى تقاطعها مع أوضاع خارجية إلى إخراج الجيش السوري من لبنان.
إنّ استذكار الدور الذي أدّاه لقاء "قرنة شهوان" مردّه إلى أنّ الظروف التي يمرّ فيها البلد اليوم شبيهة إلى حدّ كبير بالظروف التي عرفتها البلاد في العام 2005، لجهة أنّ سقوط النظام السوري سيُشكّل تطوّراً تاريخيّاً وتحوّلاً مفصليّاً في مجرى الأحداث تماما كما حصل مع خروج الجيش السوري من لبنان، هذا الخروج الذي فتح اللعبة السياسية على مصراعيها وجعل الصراع مع القوى غير السيادية متكافئاً في حين أنّ الوضع ما قبل الانسحاب كان "طابشاً" بالكامل لمصلحة هذه القوى.
لا أحد كان يتصوّر أنّ الفريق الذي أمّن الانتقال من مرحلة إلى أخرى سيذهب ضحية هذا التحوّل وينفرط عقده في اللحظة التي بدأت تتحقّق فيها الأهداف التي وضعها ورسمها، فيما كان الاعتقاد أنّ نجاح اللقاء في العبور بالبلاد نحو مرحلة جديدة سيمكّنه بالحد الأدنى من الحفاظ على تماسكه ووحدة صفوفه، غير أنّ التطوّرات دلّت وكأنّ وظيفة هذا اللقاء كانت معدّة حصراً للمرحلة التي سبقت الخروج السوري، وأنّه غير مؤهّل إلى مواكبة الأحداث التي تلت هذا الخروج، فكانت النتيجة تفكّكه وذهاب كلّ مكوّن من مكوّناته إلى سبيله، الأمر الذي أثبت أنّ الاتّفاق على أجندة سيادية غير كافٍ ما لم يترافق مع أجندة إصلاحية ورؤية مشتركة، وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه: هل تلقى 14 آذار مصير "قرنة شهوان"، خصوصاً في ظل الانطباع القائم أنّ الاتّفاق داخل هذه القوى لا يتجاوز "حزب الله" وسلاحه والمحكمة الدولية؟
مصدر قيادي في قوى 14 آذار وسابقاً في "قرنة شهوان" رأى أنّ لقاء القرنة كان يفترض أن يتحوّل تلقائيّاً من الإطار المسيحي إلى الإطار الوطني الذي يحمل نفس المنطلقات والأهداف، إلّا أنّ الزلزال الذي أحدثه الخروج السوري على الخارطة السياسية اللبنانية بعد 15 عاماً من القمع والوصاية، فضلاً عن التوظيف السياسي الذي استخدمه العماد ميشال عون بتعبئة المسيحيين واستنفار غرائزهم تحت عنوان "تحالف المسلمين تمسّكاً بالمكاسب التي راكموها في زمن الوصاية"، أدّى إلى خلط الأوراق السياسية وانهيار لقاء القرنة الذي جاء تسارع الأحداث وضخامتها أقوى من قدرته على الصمود والربط مع اللحظة السياسية الجديدة.
وأضاف: يجب أن نكون واقعيين، إنّ تأثير الخروج السوري في المعطى السياسي الداخلي أقوى بكثير من تأثير سقوط النظام، وذلك لأنّ الخروج السوري أعاد تشكيل الحياة السياسية على أسس جديدة ومختلفة عمّا سبقها، فيما سقوط النظام لن يبدّل في طبيعة التحالفات القائمة، إلّا في حال قدرة "التيار الوطني الحر" على التفلّت من التحالف مع "حزب الله"، وحتّى في هذه الحال لن يكون تأثيره "انقلابيا" داخل البيئة المسيحية على غرار العام 2005، لأنّ المزاج الشعبي زائد الانقسام الوطني رسيا على قواعد ثابتة يصعب تبديلها.
واعتبر المصدر نفسه أنّ ثمة فوارق بين المحتاطين لا بدّ من الإشارة إليها:
أولاً، نقل الخروج السوري التحالفات من الأطر الفئوية إلى الأطر الوطنيّة، وقوى 14 آذار تعي تماماً خطورة العودة إلى الأطر الطائفية التي تحاول قوى "8 آذار" إعادة البلاد إليها كونها تعطي "حزب الله" ذريعة مهمّة للحفاظ على وضعيّته وسلاحه. فلا تيار "المستقبل" في وارد خسارة شريكه المسيحي في لحظة الصعود الإسلامي والمنافسة التي دخلت بيئته السياسية وحرصه على الاعتدال السياسي وإيمانه بالشراكة المسيحية-الإسلامية. ولا "القوات اللبنانية" في وارد خسارة ما راكمته داخل الشارعين الإسلامي والعربي، أو العلاقات المباشرة التي نسجتها مع القادة والعرب والخليجيين. لا بل على العكس يبحث كلّ طرف في كيفية تعميق الحالة التي وصل إليها وتطويرها.
ثانياً، كان ثمّة انطباع أنّ الخروج السوري أنهى الصراع السياسي في لبنان، من منطلق أنّ هذا الانسحاب غير قابل للانعكاس وأنّ "حزب الله" سينخرط لا محالة في التركيبة الجديدة، وقد وقعت قوى 14 آذار أو البعض منها على الأقل في سوء تقدير سياسي أدّى إلى ما أدّى إليه، فيما الانطباع السائد اليوم أنّ سقوط النظام سيسعر المواجهة الداخلية التي تفترض مزيداً من رصّ الصفوف وتوحيدها. فـ"حزب الله" ليس في وارد التسليم بالهزيمة التي سيُمنى بها المحور الذي ينتمي إليه، وبالتالي لن يفرّط بورقة سلاحه، بينما 14 آذار ستحاول التأسيس على هذا المتحوّل الكبير لحشر الحزب ودفعه إلى طاولة المفاوضات الجدّية تحت عنوان الالتزام باتّفاق الطائف.
ثالثاً، التحالف بين مكوّنات 14 آذار المسيحية والإسلامية "تخمّر وتعتّق"، والاتّجاه هو إلى توسيع رقعة هذا التحالف وتحويله جبهةً سياسيّةً بمشروع سياسي خلاصي للبلد. لا أحد ينكر الخلافات القائمة حول مواضيع عدة، لكنّها بقِيَت دوماً تحت سقف الحوار والمتابعة، ولم تصل يوماً ولن تصل إلى ما شهدته العلاقة بين مكوّنات 8 آذار.
رابعاً، لا يجب إعطاء "الآرمة" السياسية الأهمية على المشروع السياسي، فلقاء القرنة خدم الهدف الذي من أجله تأسّس. لا شكّ أنّه كان أحبّ على قلبنا ألّا ينتهي بالطريقة التي انتهى بها، لكنّه في نهاية المطاف سلّم المشعل إلى 14 آذار، وهذه الحركة العابرة للطوائف من أهم الحركات في التاريخ اللبناني، والتعويل عليها أساسي جدّاً من أجل تجديد ميثاق العيش المشترك الذي لا يقوم وينهض إلّا على شراكة سياسية من فوق وتوافق شعبي من تحت.
خامساً، المقارنة بين الخروج السوري من لبنان وسقوط النظام لا تجوز، إذ إنّ الحدث الأوّل أبقى على الهيمنة السورية الأمنيّة والسياسيّة، فيما الحدث الثاني سيعيد تشكيل المنطقة ويمدّ 14 آذار بزخم ودينامية قلّ نظيرهما. ولا نكشف سرّاً إن أفصحنا أنّ مكوّنات انتفاضة الاستقلال بدأت تتهيّأ لمرحلة ما بعد نظام الأسد، وهي تجري اللقاءات الدورية بعيداً من الإعلام وتضع التصوّرات اللازمة لكيفيّة مواكبة هذا التطوّر التاريخي من زاوية عدم تفويت الفرصة تثبيتاً للسيادة وتعزيزاً لمشروع الدولة.
هل ستلقى 14 آذار مصير لقاء "قرنة شهوان" نفسه؟ بالتأكيد كلّا، وفق المصدر القيادي نفسه، لكنّه سأل في المقابل: ماذا لو أدّى سقوط النظام السوري إلى انهيار 8 آذار وبروز تشكيل شيعي وازن يريد الانضمام إلى التحالف السيادي ولا يستسيغ حيال بيئته أن يحمل عنوان 14 آذار بأن يُصار إلى تطوير هذا التحالف في اتّجاه تشكيل جبهة وطنية تحت مسمّى آخر؟
ويختم قائلاً: المهم أنّ الأمور لن تسير إلى الوراء، فلا عودة إطلاقاً إلى ترسيمات وتحالفات ما قبل العام 2005. فلقاء القرنة سلّم المشعل إلى 14 آذار الذي "عيبه" الوحيد أنّه لم ينجح، ويا للأسف، في سدّ الثغرة الشيعية، وبالتالي إذا استطاع تسليم المشعل إلى تحالف سياسي يجسّد كل ألوان البلد يكون حقّق أيضاً الغاية التي من أجلها أُنشئ، أي تجديد الميثاق بين اللبنانيين وإحياء لبنان الرسالة.
