
كتب علي منتش في صحيفة "النهار":
ماذا يحدث في الحزب الشيوعي اللبناني؟ خلافات على قضية هنا، واخرى هناك. بيانات، وبيانات مضادة. استقالة هنا، وإقالة هناك… يبدو ان قيادة الحزب تحاول ابعاد كل صاحب صوت معارض، قبل حلول موعد المؤتمر الوطني العام الذي يفترض ان ينعقد مطلع 2013.
يمكن كل من يتابع صفحة الحزب الشيوعي عبر "الفايسبوك" ان يلاحظ ما يمكن تسميته النقاش البنّاء، او حتى الانتقادات الداخلية التي تسعى الى تصويب المسار. نقاشات وانتقادات، الامر صحّي في المبدأ، وان دلّ على شيء فعلى حياة ديموقراطية وحيوية حزبية نادرة. لكن، لا داعي للافراط في التفاؤل. قرر الحزب الشيوعي تنظيم العمل الالكتروني. والتنظيم هنا يعني وضع ضوابط تمنع الحزبيين من الانتقاد، او الدخول في نقاشات علنية، تتعلق بالوضع الداخلي للحزب.
كثيرون ممن يشكلون حالة معارضة داخل الحزب، يتجنبون الوصول الى الانفصال، "نحن حرصاء على الحزب ولذلك ننتقد. اساسا، عند حصول اي خلاف في الرأي مع قيادة الحزب تعمد هذه الاخيرة الى تعبئة المحازبين عبر خطابات تصّور لهم أنه لا يمكن الحزب ان يستمر من دونها، ومن هنا يتكتل المتحمسون والحرصاء على الحزب، وهم كثر، حول القيادة".
لم يعد المعارضون يجدون مكانا لهم في الحزب، رغم ان اكثرية الفريق المتحكّم ليست اكثرية حقيقية. فمثلا في قضية فصل علاء المولى صوّت من اللجنة المركزية عشرون عضوا، خمسة عشر منهم في المكتب السياسي من اصل ستين عضوا يشكلون مجتمعين اللجنة المركزية، هذا اذا تناسينا بعض الاعضاء الذين لا يحضرون سوى في اوقات التصويت، ويتغيبون في كل المرّات".
علي خالد حدادة في الجامعة اللبنانية
بعد شيوع معلومات عن ورود اسم علي حدادة، نجل الامين العام للحزب الشيوعي اللبناني خالد حدادة على لائحة التعيينات في الجامعة اللبنانية، ساد جو من الهرج والمرج اوساط الحزب. انتقاد من هنا واستفسار من هناك، لكن النفي لم يأت من الامين العام، بل على العكس جاء التبرير: "الجامعة في حاجة الى اختصاصه وهذا ما جعله من بين المعينين". يرى المعترضون ان تعيين حدادة الابن يأتي نتيجة المحسوبية السياسية. من هؤلاء علاء المولى عضو لجنة مركزية مقال بإجماع المكتب السياسي، بسبب اقدامه على انتقاد الحزب علنا عبر "الفايسبوك”. يشير المولى الى تبريرات الامين العام، ويرى ان رفضه وبعض "الرفاق" ينطلق من موقف مبدئي يتعلق بآلية التعيين، "اذ يجب ان ترفع اسماء الاساتذة المعينين عبر مجلس الجامعة، وليس عبر أي احد آخر، منعا لتعرض الاستاذ لاي ابتزاز طائفي او سياسي وهذا الموقف الثابت للجنة الاساتذة في الحزب". ويضيف المولى: "بما ان الاسم لم يأت من طريق مجلس الكلية المعترض اصلا على مجمل التعيينات، فيمكن الاستنتاج ان المحسوبيات هي التي تقف وراء ورود اسم علي حدادة".
فصل المولى
بعد اجتماعات عدة وبعد نحو عشرة ايام من النقاش تقرر فصل علاء المولى باجماع المكتب السياسي بحجة قيامه بتشويه سمعة الحزب وفضح امور تنظيمية، كما اتهم بالقدح والذمّ. يتحدى المولى ان يستطيع احد ايجاد نصّ يتضمن قدحا وذمّا "لقد تمّ التصويت على فصلي دون اي دليل". يرى المولى ان القيادة تسعى الى التخلص من كل صوت معارض داخل الحزب "ليصفو لها الجو قبل الجمعية العامة"، ويعتبر ان فصله يأتي نتيجة آرائه المعارضة وخصوصاً في موضوع تعيين حدادة في اللبنانية ولكل الاخطاء التي يمر بها الحزب، كما يعتقد المولى ان الهيئة الدستورية ستبطل هذا القرار.
"اليسارية"… و"الاخبار"
خلال المؤتمر العاشر للحزب اعلن الامين العام امكان انشاء فضائية يسارية، وجاء هذا الاعلان على خلفية نقاشات سابقة تناولت هذا الموضوع، لكن حدادة فاجأ الجميع في ايلول الماضي خلال اجتماع للمجلس العام باعلانه ان حلم الفضائية على وشك ان يتحقق، وان التحضيرات اصبحت في آخرها. الصدمة كانت لانه في حينه لم يكن قد جرى اي نقاش في اي هيئة من هيئات الحزب حول موضوع "اليسارية". وعشية اللقاء اليساري العربي الذي عقد في بيروت اعلن حدادة: "انجزنا محطة "اليسارية"، شراكة بين قدري جميل وميخائيل عوض، وقد تلقيت قرضا من شخص لن يأخذ فوائد عليه، واتفقنا على ان اكون رئيس مجلس الادارة". تزامن الاعلان مع نشر جريدة "الاخبار" تحقيقا يظهر فيه ان حدادة تفرد في اتخاذ القرارات المتعلقة بتلك القناة، وان القيادة لم تكن على علم بشيء. امتعض حدادة من نشر هذه المعلومات وخصوصا انها جاءت قبل انعقاد اللقاء اليساري العربي. كما انزعج جميل، وخاصة عوض، كون ما نشر اوحى أن الشيوعيين مستاؤون من كونه مقربا من المخابرات السورية، حتى انه نقل عن حدادة قوله: "بدي ربّي جماعة "الاخبار"".
هنا بدأت قصة الحزب يقول احد المحازبين الشيوعيين المطلعين على القضية انه، وبعد طلب احالة ملف "اليسارية" على النقاش في اللجنة المركزية، أجل الامر الى حين اختلق حدادة قضية سعدالله مزرعاني وعقد استثمار امتياز "الاخبار" للتغطية على مسألة "اليسارية”.
اتهم خالد حدادة، سعدالله مزرعاني بتوقيع عقد بيع جريدة "الاخبار" وليس عقد استثمار. ومن هنا تشير مصادر معارضة الى ان اساس المقارنة بين قضية "الاخبار" وقضية "اليسارية" ليس في مصلحة حدادة. ففي الاولى كانت هناك لجنة تتبع للمكتب السياسي وتفاوض، شارك فيها حدادة شخصيا في المرحلة الاولى. اما في الثانية فلم يكن هناك لجنة ولم يعلن عن اي عقد ولا عن آلية تعيين رئيس مجلس ادارة. كل ذلك من خلف ظهر الحزب. وتضيف: "اراد حدادة ان يكون بطل انجاز فضائية يسارية عربية، فتفرّد بكل القرارات وحده، وهو اليوم يوقّت كل قراراته وخطواته وفق التطورات داخل الحزب والمؤتمر العام في السنة المقبلة، اذ ان القناة قد تبدأ البث عند احتدام الصراع الداخلي في الحزب، وهو بطبيعة الحال سيكون المستفيد الاول منها، اذ يقوم بتوظيف كل المحسوبين عليه فيها على حساب عدد هائل من الشيوعيين الاكفاء الذين يبحثون عن عمل. حتى ان الموظف الاهم المتوقع في حصّة الحزب هو ابن شقيق احد اعضاء المكتب السياسي، الذي كان حتى وقت قريب عضوا في حركة "امل"، وهذا يعني ان الحزب يغطي القناة سياسيا لكن لا علاقة فعلية له بها".
تؤكد المصادر ان الاتهامات التي يتعرض لها مزرعاني في خصوص امتياز جريدة "الاخبار" لا تتعدى سعي الامين العام الى تشويه سمعته في اطار سعيه للتخلص من كل الاصوات المعارضة قبل المؤتمر العام. وفي هذا الاطار يأتي سحب مسؤولية الاعلام وادارة اذاعة"صوت الشعب" منه، "لا يحتاج العقد مع شركة "الاخبار" الى الكثير من التفسير، هو عقد استثمار طويل الامد وليس عقد بيع، والفارق واضح بين عقد البيع الذي يعني التنازل عن حقّ التصرف، وعقد الاستثمار الذي يعني التنازل عن حق الاستخدام. العقد واضح استثمار لمدة عشر سنوات يعاد بعدها النظر في القيمة التأجيرية".