كتبت ريتا صفير في "النهار":
رغم الزيارة الخاطفة التي قام بها الى لبنان والتي لم تتعد ساعات، فان جولة وزير الخارجية السويسري ديدييه بورخالتر على المسؤولين اللبنانيين الاسبوع الماضي حملت الكثير من الرسائل. لبها، اشادة سويسرا، كغيرها من الدول الغربية، بنجاح الحكومة اللبنانية في النأي بلبنان عن انعكاسات التطورات الاخيرة في المنطقة، وتشديدها على اهمية الحوار، اضافة الى استطلاع امكانات مساندة لبنان في التخفيف "من العبء الثقيل" للعدد المتزايد للنازحين اليه. واذا كان احتمال تمدد النزاع السوري الى لبنان "يمثل مصدر قلق" بالنسبة الى برن، كبقية العواصم الدولية كما يقول بورخالتر لـ"النهار"، فان "سياسة الحياد في مناخ تتنامى فيه التشنجات الاقليمية هو بالتأكيد مسار جيد يجب اتباعه"، مستشهدا بتجربة بلاده في هذا الشأن. وسويسرا التي قامت تاريخيا بمساع عدة لجمع الافرقاء اللبنانيين، عبر اجتماعات جنيف ولوزان الشهيرة تبقى جاهزة وفي اي وقت لتجديد مساعيها الحميدة اذا ما رغب الاطراف في ذلك، بحسب رئيس الديبلوماسية السويسرية، الذي يبدي ايضا جهوز بلاده لاستضافة اي اجتماع آخر من شأنه ان يساهم في تقدم السلام في سوريا. وهو يواكب دعوته النظام ومجموعات المعارضة السورية الى البدء بمفاوضات جدية في شأن مرحلة انتقالية، بمطالبته مجلس الامن بان يحيل الوضع السوري على المحكمة الجنائية الدولية انطلاقا من اقتناع بلاده بألا يبقى مرتكبو الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب بلا عقاب.
في ما يأتي الحوار الذي اجرته "النهار" مع بورخالتر في اتصال عبر السفارة السويسرية في بيروت:
تحدثت بعد لقائك رئيس الجمهورية عن دعم سويسرا لاستقرار لبنان وجهود الحكومة للحد من الانعكاسات السلبية للتطورات في المنطقة وتحديدا في سوريا. هل يمكن ان تبلور الرسائل التي نقلتها الى السلطات اللبنانية؟
– شددت في مناقشاتي مع السلطات اللبنانية على حصانة السيادة ووحدة الاراضي اللبنانية. واثنيت على تصميم الحكومة اللبنانية لنجاحها في عزل لبنان وحمايته من انعكاسات التطورات الاخيرة في المنطقة. كما شجعت السلطات على مواصلة هذا المسار. وفي الاطار عينه، شددت على اهمية الحوار الوطني الذي يقوده اللبنانيون بهدف ايجاد اجوبة لبنانية وحلول للتحديات التي تواجهها البلاد.
قلت انك ناقشت العلاقات الثنائية. هل تقدمت ببرامج عملية؟
– ان العلاقات جيدة جدا بين سويسرا ولبنان وترتكز على اسس صلبة. وهناك تاريخيا علاقات قوية متنامية من الصداقة والاحترام بين البلدين والشعبين. وخلال زيارتي، استطلعت امكانات مساندة لبنان والتعاون معه بهدف التخفيف من العبء الثقيل للعدد المتزايد للاشخاص النازحين والذين يتطلعون الى ملجأ في لبنان. تدعم سويسرا عبر الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون جهود الحكومة اللبنانية والشعب في استضافة النازحين من سوريا. ومنذ اندلاع النزاع في سوريا وتدفق الآلاف منها، تولت الوكالة دعم النازحين وحافظت على علاقات وثيقة مع كل اللاعبين الحكوميين. كما وقعت مذكرة تفاهم لمساندة العائلات اللبنانية التي تستضيف نازحين من سوريا في منازلها. ويركز برنامج الوكالة في لبنان على 3 مجالات: توفير الخدمات الاساسية والمعيشية، والحماية ومنع الكوارث الطبيعية والجهوز لها. ان مجموع برنامج الوكالة السويسرية في لبنان يشمل سنويا موازنة بمعدل 7 ملايين فرنك سويسري.
ناقشت مع السلطات اللبنانية التطورات في الشرق الاوسط. هل من مبادرة سويسرية في شأن عملية السلام، والازمة السورية ولاسيما ان جنيف كانت استضافت لقاء لمجموعة الاتصال حول سوريا، وكذلك حيال لبنان وذلك في اطار الدعوات الى الالتزام بالحياد وفقا للنموذج السويسري؟
– لا مبادرة سويسرية. في سوريا، تدعم سويسرا جهود الوساطة التي يقوم بها المبعوث المشترك للامم المتحدة والجامعة العربية. ان احتمال تمدد النزاع السوري الى لبنان يمثل مصدر قلق. سويسرا واثقة بأن كل الافرقاء اللبنانيين سيبذلون ما في وسعهم لحماية استقرار لبنان في هذه الظروف الصعبة. ان سياسة الحياد في مناخ تتنامى فيه التشنجات الاقليمية هو بالتأكيد مسار جيد يجب اتباعه. ان الحياد السويسري برز ايضا في اوقات التشنجات المتنامية بين جيراننا في اوروبا. هذا التشابه يعزز تفهمنا والتزامنا بلبنان.
قامت سويسرا بمبادرات عدة لجمع الافرقاء اللبنانيين بهدف ايجاد حل للازمة اللبنانية المتواصلة، هل انتم في صدد التحضير لمبادرة جديدة في هذا المجال؟
– تبقى سويسرا جاهزة وفي اي وقت للقيام بمساعيها الحميدة اذا ما رغب الاطراف اللبنانيون في ذلك.
اعلنت في مقابلة مع صحيفة "نيو زورخر زويتونغ" ان سويسرا على اتصال مع فريق المبعوث الاممي العربي المشترك من اجل استضافة مؤتمر دولي عن سوريا. هل توصلت الى توصية في هذا الشأن؟
– اجتمعت مجموعة الاتصال حول سوريا في جنيف في 30 حزيران وتبنت وثيقة تدعو الى هيئة انتقالية حاكمة، وتبقى سويسرا جاهزة لاستضافة اي اجتماع آخر من شأنه ان يساهم في تقدم السلام في سوريا.
* اعلنت سويسرا مرارا ان التوصل الى حل سياسي يبقى الطريقة الوحيدة لتفادي تزايد المعاناة في سوريا، وقت كانت دول اوروبية عدة تناشد الرئيس السوري بشار الاسد التنحي او يواجه مصير الزعيم الليبي معمر القذافي؟
– تواصل سويسرا اعتقادها انه وحدها العملية السياسية من شأنها ايجاد حل مستدام للازمة السورية. ان النظام السوري ومجموعات المعارضة السورية يجب ان يبدأوا مفاوضات جدية في شأن مرحلة انتقالية ووقف كل اشكال العنف فورا. ولذلك، تواصل سويسرا دعمها لجهود وساطة كوفي انان. في المقابل، ان سويسرا مقتنعة بأنه من الاهمية القصوى الا يبقى مرتكبو الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب بلا عقاب ويفترض سوقهم الى العدالة. وفي هذا الاطار، تعتبر سويسرا انه يجب ان يحيل مجلس الامن الوضع في الجمهورية العربية السورية على المحكمة الجنائية الدولية. وبذلك يتم توجيه رسالة واضحة الى السلطات السورية.
تحدثت عن اهمية التغيرات السياسية والديموقراطية في المنطقة بعيدا من العنف. كيف يمكن ان تساهم سويسرا في تحقيق ذلك؟ ما هي نظرتك الى النتائج الفورية لـ"الربيع العربي" ولاسيما على مستوى وصول اسلاميين الى السلطة؟
– ان ما سمي "الربيع العربي" هو على الارجح بداية عملية معقدة جدا وطويلة. ويجب ان نركز على النتائج على المدى البعيد بدلا من النتائج الفورية للثورات. لكل دولة في المنطقة خصائصها وفوارقها. من هنا، فان الاحداث الجارية في اطار ما يسمى "الربيع العربي" ستختلف على الارجح بين بلد وآخر. لذلك ليس هناك ولن تكون هناك "وصفة" عامة للمنطقة. تبقى سويسرا جاهزة لمساندة الدول في المنطقة في انتقال سلمي ديموقراطي. وانطلاقا من تقليد ديموقراطي طويل وبعد تطويرنا نظاماً سياسياً لامركزياً يتطلع الى حماية المصالح والانسجام بين مكونات المجتمع الطائفية واللغوية والمناطقية على اختلافها، يمكن سويسرا ان تتقاسم بعضا من خبرتها المتطورة في مجال الحكم.
جمدت السلطات السويسرية 50 مليون فرنك سويسري تعود الى الرئيس السوري بشار الاسد ومسؤولين في الاشهر الاخيرة وهي استهدفت على الاقل 127 مسؤولا و40 شركة على علاقة بالنظام. وسعى القضاة العام الماضي الى تجميد 3 ملايين اورو لحافظ مخلوف للاشتباه في تبييض الاموال، الا ان ذلك لم يتحقق. هل ادت هذه الخطوات الى نتيجة؟
– قرر المجلس الفيديرالي السويسري في 18 ايار 2011 اصدار عقوبات على سوريا. وماشت سويسرا تاليا عقوبات الاتحاد الاوروبي الصادرة في 9 ايار 2011. نظرا الى تدهور وضع المجتمع المدني السوري، فقد شددت سويسرا التدابير تدريجا. وتم توسيع العقوبات آخر مرة في 16 تموز 2012. وحاليا، ثمة 129 شخصية و49 شركة او منظمة خاضعة للعقوبات وتم تجميد نحو 100 مليون فرنك سويسري. حتى الآن، تم تحرير اموال، بسبب عقود سابقة او لتغطية تكاليف اساسية شخصية (كنفقات المحامي)، والرقم المحرر بسبب هذه العوامل يناهز 3 ملايين اورو.
اعلنت سويسرا تشكيل لجنة مشتركة مع الامارات العربية المتحدة للتحقيق في كيفية تصدير قنابل يدوية من الامارات الى سوريا، بعدما اوقفت سويسرا تصدير الاسلحة الى سوريا منذ 1998. هل ادى التحقيق الى نتيجة؟
– شكلت اللجنة المشتركة منتصف تموز ويقوم دورها على توضيح ما اذا كانت هذه القنابل اليدوية المسلمة الى الامارات عام 2003 قد ارسلت. ان التحقيق يتواصل ولم ينته بعد.