الحوار الوطني فرصة مؤاتية لحزب الله لإيجاد حل توافقي لمشكلة السلاح في ظلّ المتغيرات الإقليمية
طهران ليست مستعدة للتخلي عن سلاح الحزب بعد خسارتها لحماس والنظام السوري
ويبقى الأمل ضئيلاً، بتحقيق اختراق جدي في مسألة الاستراتيجية الدفاعية في جلسة الحوار المرتقبة
لا شك أن تحريك طاولة الحوار الوطني في هذا الظرف العربي والإقليمي المعقد والخطير على حدٍ سواء، يمهد لفرصة مهمة ومؤاتية لبدء مناقشة هادئة وصريحة لمصير سلاح «حزب الله» الذي يتصدر المسائل الخلافية بين الأطراف السياسية الموالية لإيران وسوريا وباقي الأطراف والفئات اللبنانية الرافضة لبقاء هذا السلاح غير الشرعي على وضعيته الحالية في يد فئةٍ لبنانية بمفردها ومتفلتاً من أي رقابة رسمية وشرعية، تمهيداً للتوصل إلى صيغة مقبولة من الجميع لوضع امرة هذا السلاح بيد الدولة اللبنانية لوحدها بعيداً عن هيمنة وتسلط الحزب وغيره، برغم الاعتراضات والرفض المسبق الذي يبديه الحزب وبعض أتباعه المأجورين لأي صيغة من هذا النوع في الوقت الحاضر، على اعتبار أن مسببات إقتناء السلاح المذكور لم تنتهِ بعد في ظل استمرار احتلال اسرائيل لأراضٍ لبنانية في تلال كفرشوبا ومزارع شبعا حتى اليوم.
وبالرغم من كل الذرائع والحجج التي يتلطى وراءها «حزب الله» للتهرب من مقاربة مسألة السلاح بجدّية ومسؤولية، في محاولة كسب الوقت والمماطلة قدر الإمكان من البت بهذا الموضوع الخلافي الذي يقسم اللبنانيين ويبقى لبنان في وضعية مترجرجه وغير مستقرة حالياً، وتحت رحمة أصحاب السلاح الحقيقيين ومصالحهم الإقليمية والدولية، فإن الاستهتار بفرصة معاودة طاولة الحوار الوطني وعدم استغلالها على النحو المطلوب من قبل جميع الاطراف السياسيين أو اضاعتها عمداً من قبل الحزب تحديداً كما حل في المرات السابقة، سيشكل خسارة كبيرة للبنانيين، وسيفتح ابواب لبنان مشرعة امام تداعيات الثورات العربية الملتهبة وخصوصاً إنهيار النظام السوري.
فالتفاهم بين اللبنانيين على صيغة مقبولة للخلاف الناشب حول مسألة سلاح «حزب الله» على طاولة الحوار الوطني ولو طال النقاش بشأنه اكثر مما هو متوقع وإن كان هذا التوقع في غير محله حالياً، إستناداً إلى ما يُعلن من مواقف لمسؤولين في الحزب والنظام الايراني على حدٍ سواء، فهذا سيؤدي حتماً إلى إزالة حاجز كبير من طريق إعادة الحد الأدنى من الوحدة بين الاطراف اللبنانيين المنقسمين على أنفسهم ويمهد الطريق لوضع مشروع الدولة على السكة السليمة ويعطي مؤسسات الدولة على إختلافها، قوة دعم دافعة لاعادة النهوض بالوطن ككل والخروج من حالة إستباحة هذه المؤسسات والهيمنة عليها بسلاح «حزب الله» كما هو حاصل حالياً، والبدء بإزالة جميع مظاهر الخروج على الدولة وسلطتها في جميع المناطق اللبنانية من دون إستثناء، ومنع توجيه هذا السلاح ضد اللبنانيين في الداخل. ويبقى الأمر المهم كذلك جراء توصل اللبنانيين الى تفاهم حول سلاح الحزب المختلف عليه بشدة، تعطيل كل الذرائع الاسرائيلية لاستهداف السلاح المذكور والتهديدات المتواصلة لتدمير المنشآت والمرافق الحيوية اللبنانية بحجة وجود هذا السلاح بيد الحزب وليس بيد الدولة اللبنانية. ولكن بالرغم من كل المتغيرات المتسارعة والمخاطر المترتبة عنها، لا يبدو في الأفق ما يشير إلى إمكانية إستغلال فرصة التئام طاولة الحوار، لمقاربة مسألة سلاح «حزب الله» بجدية من قبل الاطراف المعنيين بهذه المسألة تحديداً، لأن قراراً على هذا المستوى ليس بيد الحزب بمفرده كما تدل المواقف الصادرة عن كبار المسؤولين الايرانيين بهذا الخصوص، بل هو قرار ايراني، وليس من السهولة التنازل عنه هكذا لصالح الدولة اللبنانية وبلا مقابل، وقبل تحقيق الاهداف والمصالح الايرانية الصرفة من التحكم بسلاح «حزب الله» في لبنان.
ولذلك، وفي رأي اكثرية المراقبين، فإن مناسبة التئام طاولة الحوار الوطني، قد لا تكون مهيأة لمقاربة جدّية ومسؤولة لسلاح «حزب الله» ووضع الحلول التوافقية المطلوبة له إن كان في اطار ما يسمى بالاستراتيجية الدفاعية أو غيرها، في ضوء المواقف الايرانية الرسمية المعلنة من التطورات الجارية على الساحة السورية، ولأن طهران لا تبدو حالياً مستعدة للتخلي عن سلاح الحزب الموالي لها وهو السلاح الوحيد المتبقي لها على حدود الدولة العبرية بعد خسارتها لحركة حماس لدى بدء الانتفاضة الشعبية السورية وخسارتها الجسيمة المتوقعة لحليفها الاساس في المنطقة العربية بسقوط نظام الرئيس بشار الاسد المتهالك، ولانها تعتقد ان في امكانها التفاوض من موقع قوة في الملف النووي الايراني مع دول الغرب، انطلاقاً من وجود السلاح المذكور والتحكم بقراره.
وفي ضوء ذلك، يبقى الأمل ضئيلاً جداً، بإمكانية تحقيق أي اختراق جدي في مسألة الاستراتيجية الدفاعية في جلسة الحوار المرتقبة، وهذا يؤشر إلى احتمال التفريط بفرصة مهمة لا يمكن تكرارها، وكان يمكن توظيفها لصالح لبنان ولو كان قرار «حزب الله» بيده وليس بيد النظام الايراني.