طرفة الطرائف وسط كلّ هذا الأتون هو تصريح وزير الإعلام السوريّ عمران الزعبي، وتهوينه من شأن انشقاق رئيس مجلس الوزراء رياض حجاب، واعتباره أنّ سوريا "دولة مؤسّسات" كما قال، وأنّ الأشخاص يأتون ويذهبون، وبالتالي، فإنّ "هروبهم لا يؤثّر في نهج الدولة"، فالمؤسسات كمجاري الأنهار، والأشخاص كالمياه الجارية، باستثناء العائلة الأسدية طبعاً، هي المنبع والمصبّ.
عموماً، غالباً ما يتحوّل وزراء إعلام الأنظمة العربيّة الآيلة للسقوط إلى طرفة الطرائف ومثار التندّر في أيّامهم الأخيرة، مؤرّخين بذلك الطابع الهزليّ لهذا السقوط، رغم سيل الدماء.
وبداهة البداهات في هذا المجال، أنّه في دولة المؤسسات لا ينشقّ رئيس وزراء بعد سهره على تهريب كلّ ذويه. في دولة المؤسسات، يمكن لرئيس الوزراء أن يستقيل أو يُقال، دائماً بحسب أحكام الدستور وضوابط البروتوكول.
والنظام السوريّ الحاليّ، أو ما بقي منه، يعتبر نفسه دولة مؤسسات، هذا صحيح. لكنه يعتبر نفسه كذلك منذ وقت غير طويل، وإنّما فقط منذ بضعة أشهر، أي، إذا ما أردنا استعادة لغة النظام نفسه، منذ أطلق الرئيس بشّار الأسد مسيرة الإصلاحات، فألغى حال الطوارئ وأصدر العفو العام وأبطل رسمياً قيادة حزب البعث للمجتمع والدولة، واستفتى الناس على دستور جديد أريد به مضاهاة أعرق الأمم، ورخّص لأحزاب جديدة، وأجرى انتخابات بالاقتراع العام السرٍّي. وكلّ هذه أكاذيب ورقية أو صوتية طبعاً، مع تسجيل حيثية خاصة لموضوع الانتخابات النيابية، فهذه لم تأتِ مزوّرة أو معلّبة كما في السابق، بل إنها أقرب ما تكون إلى انتخابات لم تجر لا من قريب ولا من بعيد، انتخابات "تجسيمية" لصناديق الاقتراع في عالم الوهم ليس إلا.
لكن، حتى مع اعتماد الأكاذيب المملّة هذه، يظهر أنّ دولة المؤسسات لم تبدأ رسمياً في سورياّ، وفقاً لأسلوب النظام المرضيّ في سرد المسائل، إلا مع توليّ رياض حجاب سدّة رئاسة مجلس الوزراء، فور انتخاب أوّل مجلس شعب من وحي الدستور الجديد. وفقاً لمعادلة عمران الزعبي تكون الخلاصة المفترضة، أنّ سراب دولة المؤسسات، هذا السراب الذي ليس سراباً بالفعل لأنه لا يوهم أحداً، لا في الداخل ولا في الخارج، هو الذي انشقّ هذه المرّة في سوريا.
بيد أنّ عمران الزعبي لم يتحدّث في الأساس عن "دولة مؤسسات" إلا على سبيل النكتة، ليقول ما معناه، أنّ الشخصيات المدنية في واجهة النظام السوريّ لا تقدّم ولا تؤخّر، وأنّ المؤسسات الحقيقية هي العائلة الأسدية، وضبّاط النادي المذهبيّ العشائريّ المسيطر على الجيش، وبعض قادة الشبيحة "من الجيل الجديد"، بالإضافة إلى شبكات "حراس الثورة" الإيرانية في الداخل السوري.
من جهة، يفضح الزعبي بذلك نفسه وطبيعة هذا النظام، أي أنّه من هذه الناحية يفضح ما هو مفضوح للجميع. ومن جهة ثانية، يؤكّد الزعبي أنّ النظام الذي لم يؤثّر عليه اغتيال كبار أمنييه الفعليين، لن يؤثّر عليه انشقاق كبار مدنييه الرسميين، أي الصوريين.
وهذا هو بالذات المنطق التهوينيّ الذي حاولت أن تروّج له أبواق الممانعة وصحفها الصفراء في اليوم التالي على الانشقاق. تراوحت بين من يعتبر أنّ المنشقّ هو مجرّد مساعد حكوميّ، وبين من يعتبر أنّ "عسكرة المعركة" ما عادت تسمح للتلهي بتفصيل كهذا.
وطبعاً، تسلّل هذا المنطق التهوينيّ إلى المعسكر النقيض للنظام، أي معسكر الثورة السوريّة وأنصارها في البلدان المجاورة، فاستدركوا من بعد التهليل الأوّل، بأنّ رئيس الوزراء السوريّ منصب عديم الأهميّة، وأنّ الانشقاق لا يصيب النخاع الشوكيّ للنظام الدمويّ.
لكنّ، لهذا الاستدراك حدوده. فانشقاق حجاب ليس فقط تطوّراً معنويّاً، يناقش مدى تأثيره أو عدم تأثيره على بشّار الأسد، بل هو تطوّر نوعيّ، في تطوّرات الوضع السوريّ.
فهذا النظام، بات يفتقد، بعنف الاغتيالات أو بصدمة الانشقاقات، الغطاء "السنيّ" الذي كان له، ويأتي ذلك في سياق متسلسل من الانشقاقات، من القاعدة إلى القمّة، وهي انشقاقات اتخذت مسار "نزيف داخليّ" في قطاعات الجيش السوريّ، ثم ارتقت الى منزلة "الاستنزاف الداخليّ" للنظام، وهو ما يختلف مثلاً عن النموذج الليبيّ، حيث قامت الثورة على قاعدة "انشقاق نصفيّ" سمح للثورة ببناء "كيانها القاعديّ" في شرق البلاد قبل التوسّع إلى غربها والقضاء على الكابوس معمّر القذافي بمساعدة حلف شمالي الأطلسيّ.
والنظام في وضع كهذا، لا يمكنه أن يبذل أي جهد لاستعادة أي "غطاء سنّي" ولو بالحدّ الأدنى، وليس لديه الكماليات اللازمة لاستشعار "لوثة مذهبية ما" من اتساع اعتماده على الدّعم الذي يتلقاه من "الباسدران الإيرانيّ".
وهذا يوجد بالطبع تحدياً إضافياً بالنسبة إلى القوى الثورية السورية، هو تحدّي تأكيد مظهر "الوحدة الوطنية" لجميع السوريين في المعركة النهائية لإسقاط نظام آل الأسد، في وقت ما عاد يمكن للنظام أن يبقي على "غطاء سنّي" له، ولا يعني تأكيد "الوحدة الوطنية" أبداً المكابرة على التعددية الطائفية والإثنية والمناطقية للسوريين، بل العكس، التصالح معها، فإذا كان النظام يصرّ على "مركزيته" ويتابع نشاطه "التقسيميّ" في آن، فليس من التناقض أبداً أن تسعى الثورة إلى وحدة وطنية ديموقراطية على أساس لامركزيّ واسع النطاق في المقابل.