#dfp #adsense

الإشكال والإنحلال

حجم الخط

 على الطائرة من فرنسا إلى بيروت، حاكم البنك المركزي، رجل بلا موكب. ويستدعي حضوره التساؤل: لماذا هناك مؤسسة مدنية واحدة في الدولة لم ينخرها العت او الخراب؟ هل من الممكن، اذاً، تحدي قاعدة السيب المنتشرة في سائر الحطام؟

تشكل مؤسسة رياض سلامة مثالا على مدى ما يمكن محاربة الصدأ البيروقراطي، او التحصن ضد العفن السياسي. وفي هذه الازمات النازلة بالمنطقة، والمحيطة بلبنان، وخصوصا من الجانب المالي، يبحر البنك المركزي بين عواصف، اصعبها غير مرئي. وفيما يؤول البلد نحو "الانحلال"، كما قال بيان المطارنة، بقيت حالة النقد منذ نحو عقدين، وكأن الليرة لدولة غير لبنان. وحدة لا تتعثر ولا تتلاعب، وتجتذب اليها الاجانب بدل الهرب منها.
تعرّض النظام المصرفي لمحن كثيرة. انهارت بنوك بسبب النصب السياسي او المافياوي. وانخرط مصرفيون في تفليسات عائلية، او آخرون في مسالك معيبة ومحظورة وتهدد النظام برمته. وعلى رغم ذلك استطاع رياض سلامة حماية مال المودع، الصغير والكبير.

كيف؟ لا ادري. لم يتجاوز لقائي مع الرجل التحية، ولم اطرح السؤال. ولا خطر لي ان ثمة امرا مُرضيا في لبنان يمكن الكتابة عنه الا بعد ايام من الرحلة. اما خلال الرحلة نفسها فلم تكن المطبات الجوية هاجس احد. طمأننا طيار "الميدل ايست" الى ان الطريق صاف بلا سحب. هاجس كل راكب كان على الارض: ان نصل ونجد الطريق مقطوعا. انقطاع الكهرباء متوقع وليس مفاجئا. وصلنا وكانت بيروت في العتم، ظلام مؤسسة الكهرباء وظلام الصراع المذهبي وعلامات "الانحلال" والانحدار، من دولة لا وجود لها الى دولة لا حياة لها.

من حسن حظ معظم اللبنانيين انهم لا يقرأون ماذا تكتب الصحف الاقتصادية الكبرى في العالم، عن مدى الخطر الذي تلحقه الممارسات اللااخلاقية، بالمرفأ الوحيد الباقي. اي النظام المصرفي الذي يجتذب المودعين من انحاء الارض. ولهذا السبب فهو ايضا نظام تلاحقه العين الحاسبة، وتطارد حركته، وتدقق في خزناته. ويتولى رياض سلامة، بسمعته الدولية كانجح حاكم في هذه الازمات العالمية "تسوية الامور". في صمت ومهارة يصرف عنا مشاريع الكوارث التي يتسبب بها لبنانيون بلا روادع.

فقط عندنا تفلس المصارف ثم تعوم. وتعوم فضائح من نوع "بنك المدينة" لكن الناس تستعيد ودائعها. ليس لي اية دراية بالاقتصاد، لكنني كمواطن يقرأ ما يدور في هذه الدنيا، اشعر باطمئنان الى ان استقلالية البنك المركزي، جعلته يتمكن من تجاوز كل النوازل القاسية التي حلت بالبلد، وكان يمكن ان تهز اقتصاده، من اغتيال الرئيس الحريري، الى "انحلال" الاداء الوزاري، الى حرمان البلد مداخله الاساسية، كفصل الصيف.

وضعت العقوبات على سوريا لبنان في موقع شديد الخطورة. فهو سياسيا عاجز عن "النأي" عن مصالح دمشق، وتاليا التزام قوانين المقاطعة، وهو اقتصاديا في وحدة عضوية مع سوريا، في اليسر وفي العسر. اذا ماشاها فقد اهليته الدولية، واذا ماشى الدول فقد علاقته الخاصة بها. كيف تجاوز البنك المركزي هذا الخيار المستحيل؟ ما نعرفه، هو اننا منذ نحو عقدين، والبنك المركزي يتجاوز عطوب لبنان ومسكنته، ويتعالى فوق الصغارات القاتلة، التي لم يبق احد إلا وحاول جره اليها.

نزلنا البلد فوجدنا عتما. في الطرق، وفي القلوب، وظلاما في العقول. وعلى رغم ما تتضمن من حقيقة افزعتنا كلمة "انحلال" في بيان المطارنة، الذين اطلوا بالثوب الراعوي البسيط بعد غياب عن الادلاء برؤيتهم لاحوال الناس وحال البلاد. وقد عرف عن معظم السادة الاساقفة، التضلع من اللغة، والدقة البالغة في استخدامها.

التورية ملاحة الكلام. وكان الاستاذ في فقه اللغات رواد طربيه، يفضل عليها "اللطائف" ترجمة لـNuance الفرنسية. استخدمت "الإشكال" و"الانحلال" على رغم ان العرب لم تطق السجع طويلا. ولا تورية حلوة فيهما. لكنني فعلت للاضطرار، لأنهما من علامات الساعة التي نحن فيها.

كثرت المذابح والمقاتل اخيرا، مرة لخلاف على عقار، ومرة على ايجار. وكلما سقط قتيلان وبضعة جرحى سمي ذلك "إشكالا"، لا مذبحة. كل يوم "إشكال" في حي، او بلدة، تستخدم فيه الراجمات، وتقطع الطرق، ويضطر الجيش الى التدخل. إشكال! عندما يصل الامر بشعب الى ان يسمي المذبحة إشكالا، يكون ذلك، كما حذر المطارنة، طريق الانحلال وبدايته.

للكلمات دلالة عميقة على حال الشعوب والامم. فهي قاموس المراحل عندما يستقرئها المؤرخون في دراسة المدونات. وليس للمراحل عناوين ومفردات فقط بل لغة بكاملها. وفيما تحترق سوريا من حولنا وتنقلب المنطقة برمتها، يدوخ لبنان في دخان الحشيشة وكثرة "الإشكالات". ويقف على حافة المصير بسبب ظلامة المياومين في يومياتهم وظلامة الشعب في لياليه. بلد يغرق شتاء في الثلوج ومعدلات الامطار الاسطورية وفي الصيف لا ماء ولا كهرباء.

يتصرف السياسيون والمرشحون على اساس ان قانون الانتخاب سيقرر شكل لبنان. صورة لبنان يرسمها اللبنانيون. واللبنانيون، مثل اندونيسا، نحو 15 الف جزيرة. وغياب عن الوعي سببه جرثومة الغرور والتكبر. وهذه مقيمة وليست مترحلة كالطيور العابرة التي نخرج لقتلها بالبواريد والكلاش (اسم التحبب لكلاشنيكوف). ما نحن فيه هو الحصاد. فحين تكثر الجرائم ويقل العقاب، تصير المجازر "إشكالا". وحين نحول الكهرباء الى مغارة تتحول مع السنين الى كهف يبث الظلام وينشر العتم. وحين ندعي "التوافق الديموقراطي" الارغامي في تشكيل الحكومات، نصل الى حكومة من لون واحد لا اثر فيها لأي توافق او التقاء او حتى تواطؤ.

هذه مقدمات الانحلال، كما تخوف المطارنة. فيما تندفع سوريا في نفق التفتت، يستكمل هذا البلد شبقه في درب التفسخ. اشعالات وإشكالات وما من صوت واحد يذكر القوم بأن الفسق السياسي لم يعد مجرد غسل اموال وغسل ادمغة واصطفاف اعلام القبائل، بل صار خيانات لا تقل ابدا عن عار الخيانات الوطنية.

والخيانة الوطنية ليست إشكالا. ليس لها من اسم آخر، ايا كان صاحبها. هذا السلوك الجماعي حيال ما يحل بنا وما يحيط بنا، هو خيانة جماعية لا تلطيف لوصفها. وارتفاع صوت الخيانات يزيد في فظاعتها ولا يخفف منها. وما يزيد في هول الصورة ان الحل الآخر ممكن ايضا كما تثبت مؤسسة رياض سلامة. حتى في قلب الدولة يمكن ابعاد الاهتراء وتطبيق الحداثة واستدراك التحولات بل الابحار بين العواصف، كما هو الامر في موضوع العقوبات السورية، التي وضعتنا في أصعب موقف منذ ان انهى رياض سلامة اهتزاز الليرة.

ما بين حشيشة الكيف وغسيل الاموال على انواع اوساخها، تنظر الينا الامم كشيء مثل كولومبيا، بلد بابلو اسكوبار. واذ يفتح السادة الاساقفة العين الراعوية، يرون ما هو اشد حزنا من ذلك: دولة آيلة الى الانحلال بكل دروبها، تلك المفتوحة على المجهول، وتلك المسدودة في وجه كل ما هو خير ووفاق ومصالحة. كان المختار في الماضي هو "شيخ صلح" يقضي بين المتنازعين، فصارت الراجمات والمدافع تحسم "الإشكالات".
إذا حلت 2013 وما زلتم تقترعون، جربوا ان تقترعوا بضمائركم. قد ينهي ذلك إشكالاً مصيرياً ويحول دون الانحلال وما له من علامات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل