كتبت روزيت فاضل في صحيفة "النهار":
توقع القاضي السابق جورج عقيص أن يقدم وزير العدل شكيب قرطباوي استقالته مرات عدة ولاسيما يوم صرح العماد ميشال عون في أحد مؤتمراته الصحافية انه يعتبر نفسه أعلى من السلطة القضائية" وهذا ما لا يجوز طبعاً.
اضاف: "إن رفض تعيين رئيس لمجلس القضاء الأعلى اقترحه قرطباوي واستمرار الخلل في رأس السلطة القضائية هو سبب وجيه في رأيي للإستقالة او حتى التلويح بها".
بكثير من الشفافية، تحدث عقيص لـ"النهار" عن "الغربة" التي عاشها داخل القضاء وشعوره عند مغادرة قصر العدل بالحزن عليه وعلى القضاء وعلى واقع "الشتاء والصيف تحت السقف الواحد".
تقدم عقيص بطلب الاستقالة من القضاء العدلي في 30 كانون الاول 2010 وصدر مرسوم قبولها في 16 نيسان 2011 ونشر في الجريدة الرسمية في 21 نيسان 2011. إذاً ترك عقيص السلك والبلاد معاً ليشغل اليوم منصب مستشار قانوني في دائرة القضاء في حكومة أبو ظبي والمسؤول عن قطاع التخطيط الاستراتيجي في الدائرة.
في الحقيقة، لم يندم على قرار الاستقالة قائلاً: "رأيت نفسي أمام تحد كبير". فالقاضي الذي لم يلق صعاباً في السلطة القضائية وشغل منصب رئيس المحكمة الابتدائية في بيروت قرر الاستقالة من السلك "لأن القضاء في لبنان ليس بخير".
الحلم المكسور
إكتشف عقيص خلال ممارسته المهنة أن واقع السلطة القضائية في لبنان بعيد جداً عن تحقيق حلم تغيير واقع العدل من الداخل: "ثمة قضاة في لبنان لا يملكون الجهوزية لتحقيق هذا الحلم وجعله واقعاً".
يتحدث عن شعوره بالغربة في القضاء، قائلاً: "تركت الميدان لأنني بلغت الشعور بالمرارة وعدم القدرة على أي تاثير إيجابي وأدركت أن أفضل طريقة لقول "لا" هي مغادرة السلك. تحملت الكثير قبل اتخاذ قرار الاستقالة لأن من يدخل القضاء يخضع لكثير من الضغوط المادية والمعنوية وأحياناً التهديد وهذه عوامل قاومتها طبعاً".
بمعنى آخر، رأى عقيص من خلال خبرته أن السلطة القضائية لم ترتق الى مصاف السلطة المؤثرة بالمجتمع بل "كانت تتأثر ببقية المؤسسات وترهلها".
ولاحظ أن القضاة اليوم أربع فئات حيال ما آلت اليه السلطة القضائية: الأولى من قضاة شعروا بالقرف فغادروا السلك، عددهم قليل وأنا أحدهم. الثانية، قضاة يشعرون بالقرف نفسه لكنهم بقوا في العدلية منكفئين عن اتخاذ اي موقف يعزز السلطة القضائية. الفئة الثالثة قضاة يتبعون سياسة الواقع، بينما الفئة الرابعة منه تبشر بالارتهان السياسي وتمتهنه". وهو يدعو الى العمل مع الفئتين الثانية والثالثة اللتين تضمان الأكثرية لحض القضاة على العمل في العدلية".
عن "الشتاء والصيف" تحت سقف القضاء قال: "دخلت القضاء العام 1994 وتزامن ذلك مع محاكمة الدكتور سمير جعجع وتلك كانت من أول المآخذ على القضاء. تساءلت أين هي العدالة في محاكمته من دون أي أحد سواه من المشاركين في الحرب اللبنانية".
إنتقد ما يحصل اليوم من ملابسات في عكار، وهي ناتجة في رأيه من تقصير المجلس العدلي، ولاسيما في قضية الضباط الذين اوقفوا بجرم قتل الشيخ أحمد عبد الواحد ورفيقه ثم أطلقوا وأعيد توقيفهم. قال: "هذا ينطبق أيضاً على عدم محاكمة ما يسمى بالموقوفين الاسلاميين بينما تبت في سرعة ملفات محاكمة المتعاملين مع اسرائيل".
عما إذا كانت السياسة أقوى من القضاء يقول: "بكثير".
لا توازن بين كل منها. دستورنا ينص على مبدأ فصل السلطات لكنه يظل هنا حبراً على ورق. فيشدد على أنه لا يطالب بفصل مطلق بين السلطتين "بل بضرورة التماس تأثير السياسة عليها".
على صعيد آخر، يرى أن الاصلاح يبدأ أولاً في القضاء وهو مدخل لاصلاح باقي المؤسسات". قال: "يترجم ذلك بتعيين وزير للعدل يدافع عن العدلية ويحسن انتزاع حقوق السلطة القضائية من السلطة السياسية. نريد رئيساً لمجلس القضاء يضمن حسن سير المحاكمات ويسهر على تشكيلات قضائية مبنية على الكفاءة". واكد ان تشكيلة مجلس القضاء الأعلى تتألف اليوم من عناصر جيدة لا ينقصها إلا تعيين رئيس لها و"هذا كله يتكامل مع تعيين رئيس لهيئة التفتيش القضائي يحاسب القضاة. لكن هذا لم يتحقق في لبنان رغم تسلم وزراء لامعين حقيبة العدل مثل الوزيرين يوسف جبران وبهيج طبارة وترؤس قضاة استثنائيين لمجلس القضاء ومنهم الرئيس فيليب خير الله وكل من سبقوه".
توقف عند دور معهد الدروس القضائية الذي لا يزال ينتقي القضاة المتدرجين وفقاً لمعايير صارمة من الناحية العلمية، لكنه لفت الى أن ثمة تقصيراً في العمل يكمن في عدم خضوع القاضي لاختبار نفسي، فالقاضي ليس علماً وكفاءة مهنية فحسب بل أيضاً مناقبية وشجاعة وقدرة على تحمل الضغط.
وأكد أنه يعيش في الامارات التجربة اللبنانية بتفاصيلها لأنني "لا أعتبر نفسي مهاجراً ولا مغترباً بل مجرد مبتعد". وقال "أكثر ما يؤلمني الفرق الشاسع الذي يفصل لبنان عن بقية الدول العربية. ألمس في دولة الامارات وفي شكل يومي نية الدولة تحسين أوضاع شعبها".
بكلام أوضح، يشعر عقيص أنه مكافأ في دولة الامارات على كل ما كان سبب شقائه في لبنان. قال: "في لبنان لم أرتهن خلال ممارسة القضاء لأي جهة ولم أمارس أي نوع من التزلف لرؤسائي داخل السلطة القضائية ولم أتعاطف مع أصحاب النفوذ، لبنانيين وغير لبنانيين".