استبقت إيران سقوط النظام السوري لترسل "رجل المهمات الحساسة" أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي إلى لبنان متحدثا حول الأمن القومي ومنتقلا الى سوريا. وتأتي زيارة جليلي عقب زيارة وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم لطهران، وبالتزامن مع انشقاق رئيس الوزراء السوري رياض حجاب، وبعد اختطاف الإيرانيين في سوريا.
إذاً، زيارات مكوكية يقوم بها جليلي ممثلا مباشرة المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، حسبما أشارت مصادر إيرانية. وأوضح أن زيارته للبنان لم تكن لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين، بل لمناقشة مرحلة ما بعد الأسد، مظهرا أن إيران ستكون الوصي المباشر على "حزب الله" وسلاحه بعد سقوط النظام السوري واقتراب نهاية كل الأنظمة والأحزاب المرتبطة به في سوريا وخارجها. ومن خلال ذلك تحاول إيران أن تستعيد نفوذها في المنطقة بعدما وضع الربيع العربي حدا له.
وفي وقت احتفى فيه بعض السياسيين الملحقين بسياسة المحور الإيراني-السوري بزيارة جليلي الذي لا بدّ نقل إليهم تطمينات بدوام استمرار ديكتاتورية سلاحهم والوقوف على خاطرهم، لاقت زيارته انتقادا شديد اللهجة من الرئيس سعد الحريري الذي اعتبر أن "زيارة جليلي للبنان غير مرحب بها في هذه المرحلة الحساسة"، فيما رأى رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط أن "الحاجة تبقى الى سلاح للدفاع عن لبنان فقط وليس عن مضيق هرمز".
زيارات مكوكية لصاروخ السلاح الإيراني، الذي حلّ بديلا في إيران من حمامة السلام، مخبئا الرسائل المفخخة تحت جناحيه. إنها زيارة الأوقات الصعبة للدعم المعنوي وشدّ أزر حلفاء طهران ودمشق في "الدقّ المحشور" الذي يتخبّط فيه بشار الأسد. إذاً تسعى إيران الى وضع يدها على لبنان بعدما فقدت السيطرة على الوضع في سوريا وسقط نظامها الإستخباراتي وحرسها الثوري في شرك الجيش السوري الحرّ. لذا فإن اهتمام إيران سينصب في الفترة المقبلة على زيادة الضغط على لبنان وإحراجه عالميا وإبقائه تحت المظلة الإيرانية التي لم تعد تظلل النظام السوري بعد اليوم.
في هذا الإطار، يضمّ الشعب اللبناني صوته الى صوت الرئيس الحريري كون زيارة جليلي تتعارض مع مصلحة الشعب اللبناني الذي سئم سياسة الوصاية عليه والنأي بالنفس الذي تريده إيران أن يلتزم بها، بالإضافة الى دعم إيران نظام الأسد وتأييدها للمجازر التي يرتكبها بحقّ شعبه. فضلا عن أن الشعب اللبناني ينتظر بفارغ الصبر سقوط النظام الذي نكّل به ثلاثين عاما وهو يرفض بالطبع وصاية أي نظام آخر عليه.
بهذا تكون إيران قد أقفلت مضيق "باب السلام" أي مضيق هرمز من لبنان، وفتح اللبنانيون باب هواجسهم على ما ستحمله المرحلة المقبلة من تحديات داخلية وإقليمية. وتؤكد مصادر إيرانية أن "خامنئي يضع فلسطين نصب عينيه وكهدف أول في ترتيب الأولويات"، من هنا يتّخذ حديث جليلي عن فلسطين في لبنان أهمية خاصة، خصوصا أن خامنئي أوصى "بواجب الردّ على التهديد بالتهديد والإستعداد ليكون هذا الردّ بمستوى أي ضربة".. كيف ستكون منازلة إيران الجديدة في الشرق الأوسط الجديد؟ متى ستستعمل إيران لبنان كورقة تفاوضية؟ وماذا حمل ساعي البريد "الصاروخي" الى أتباع النظام السوري في لبنان وبقاياه في سوريا؟
"المنازلة الإيرانية مستمرة في لبنان من أجل سلاحها النووي"، يقول مستشار رئيس حزب القوات اللبنانية الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد وهبي قاطيشا معلّقا، ويتابع "القضية الفلسطينية لا علاقة لها بزيارة جليلي، كما أشاعت المصادر الإيرانية"، مؤكداً أن "الزيارة خاصة بحزب الله وليست للبنان، أما زيارة رئيس الجمهورية والحكومة فهي بروتوكول رفع العتب، ويبقى الهدف الأساسي بحث التطورات في المسألة السورية وتوجّه النظام الحالي بعد انشقاق رئيس الحكومة فضلا عن المختطفين الإيرانيين في سوريا."
ويعتبر قاطيشا أن "زيارة جليلي تموضع الواقع السوري من جديد خصوصا في حديثه مع حزب الله ليتّخذ الجميع علما بمصير النظام السوري." ويرى أن "التنسيق جار على قدم وساق بين الطرفين إلا أن المستجدات السورية الخطيرة وعامل اختطاف الإيرانيين وملامح سقوط نظام الأسد وانشقاق حجاب أرغمت الطرف الإيراني على القيام بجولة لإيجاد إجابات عن سؤال واحد: "ماذا سنفعل؟"
"أما دائرة الزيارات التي افتتحها وليد المعلم لطهران وتبعتها زيارة جليلي للبنان ثم لسوريا فتحوي رسائل دعم"، بحسب قاطيشا. ويشرح ذلك ضمن سيناريو منطقي "طلب المعلم من الإيرانيين دعماً على الرغم من أن النظام السوري يدرك أن إيران عاجزة عن دعمه لاستنفاد كامل الدعم"، لذا يخلص قاطيشا الى أن الزيارات "تركزت على مرحلة ما بعد الأسد، لأن القصة انتهت وأتى انشقاق حجاب محرجا لحلفاء الأسد وهم موسكو وبكين وطهران". ويلفت الى "أن نظام الأسد ليس غبيا لدرجة البحث في دعم النظام، لذا فإن الزيارات تناولت مرحلة ما بعد الأسد وربما باستقباله في إيران، والسؤال الكبير الذي ناقشوه: "النظام ينهار ماذا سنفعل؟".
سياسياً، يؤكد نائب رئيس تيار "المستقبل" أنطوان أندراوس أن "إيران، بعد سوريا، تسعى الى اعتماد سياسة وضع اليد على لبنان حيث إن الكلام عن سقوط حزب الله بعد النظام السوري غير واقعي، لأن حزب الله وإيران سيحاولان دعم بعضهما البعض إثر انهيار النظام السوري وسيكون لبنان المعبر الوحيد للحزب الى المنطقة". ويرى أن "تأمين المعبر يستدعي هيمنة من الحزب، على الرغم من كلامه الرافض لفكرة الهيمنة.." ويتساءل "هل هناك أوضح من هذه الهيمنة؟" ويجيب "السلاح هو الهيمنة الكبرى منذ 7 أيار وكل ما يشبه 7 أيار، والدليل أن السيد حسن نصرالله يضع الحكومة في جيبه وفي جيب إيران".
ويلفت أندراوس الى "أن الخوف يكمن في سيطرة الحزب على مرافق تؤمن الإتصال المباشر مع إيران بعد سقوط النظام السوري"، مشيرا الى أن "الإيرانيين ليسوا أغبياء وهم يعلمون أن نهاية النظام السوري آتية، غير أن ما لم يتداركوه بعد هو أن الربيع العربي سيتحوّل الى ربيع إيراني وسيكون في طريقه إليهم، خصوصا أننا لم ننسَ بعد التظاهرات في إيران التي تستكمل اليوم.. إذاً سيأتي دور الشعب الإيراني لينتفض".
وتعليقاً على الكلام الإيراني عن القضية الفلسطينية، يشير أندراوس الى أن "إيران تتحدث عن فلسطين وكأنها محافظة تابعة لها، إلا أن الدول العربية وحدها احتضنت القضية الفلسطينية والعرب دفعوا دماءهم في سبيل القضية الفلسطينية". ويرى أن "إيران تتاجر بالقضية الفلسطينية، على أمل أن تعي الأحزاب الفلسطينية ذلك كما فعلت حركة حماس حتى لا توقعها في حرب جديدة مع اسرائيل وتستعمل بذلك إيران الدم العربي للوصول الى غاياتها".
ويأمل أندراوس "أن يتم لفت النظر الى هذا الموضوع في القمة التي ستقام في مكة، خصوصا أن الإيرانيين يلعبون كل الأدوار وعلى محاور عدة إلا أن استراتيجيتهم هي نفسها. غير أن الدول الأجنبية والعربية لا تلاحظ المناورات الإيرانية لربح الوقت وتنفيذ مخططاتها".