#dfp #adsense

الحزب الحاكم بقوّة السلاح

حجم الخط

أن يقول السيّد حسن نصرالله بأنّ "الحلّ يكمن في الحفاظ على المقاومة ودعمها وليس في إلغائها"، فهذا شأنه، وهذا جوهر الخلاف أصلاً منذ خروج الجيش السوري من لبنان الذي أفسح في المجال أمام المطالبة بالعودة إلى تنفيذ اتفاق الطائف الذي تمّت سورنته عبر استمرار ما يسمّى المقاومة.

هذه المقاومة التي يشكّل وجودها تغييباً للدولة، ويجعل الصراع في لبنان مفتوحاً إلى حين إلغاء إمّا الدولة أو المقاومة، لأنّه لا يمكن التسليم باستمرارها إلّا في حال نجحت في فرض هيمنتها المطلقة على البلد، على غرار نجاح شريكها البعثي في خطف القرار السياسي للدولة بين عامي 1990 و2005، إلّا أنّ كلّ المؤشّرات تدلّ إلى أنّ التطوّرات ليست لمصلحتها وأنّ نهاية هذا المشروع الذي استوطن لبنان باتت قريبة.

أمّا أن يمنّن السيّد نصرالله اللبنانيين بأنّه "في 7 أيّار سنحت الفرصة لكي يهيمن "حزب الله" على البلد، ولكن لم يحصل ذلك، لأنّنا لم ولا نريد ذلك، ولم ولن نفعل ذلك فهذا ليس فكرنا. والشيعة لا يحلمون أن يكونوا لا طائفة حاكمة ولا قائدة"، فهذا الكلام خطير ولا يعبّر عن واقع الحال للأسباب الآتية:

أوّلاً، لو كان باستطاعة "حزب الله" مواصلة اجتياحه العسكري للمناطق اللبنانية واستبدال الجمهورية اللبنانية بالجمهورية الإيرانية لما تردّد، ولكنّه يدرك جيّداً أنّه ممنوع عليه ذلك، والدليل التدخّل الدولي والعربي السريع الذي حذّر طهران من تجاوزها للخطور الحمر في لبنان، وأفضى سريعاً إلى مؤتمر الدوحة الذي أعاد التأكيد على اتّفاق الطائف وحصرية السلاح بيد الدولة وحظّر استخدام الوسائل العنفية تحقيقاً للمآرب السياسية، والمكسب الوحيد الذي يمكن القول بأنّ الحزب حقّقه يندرج في حصوله على الثلث المعطّل في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية قبل انتخابات العام 2009.

ثانياً، يدرك "حزب الله" أنّه يستحيل على أيّ طرف لبناني، مهما عظمت قوّته، أن يحتلّ منطقة من غير لونه الطائفي-السياسي، ومن هنا فإنّ حدود كل طائفة لا تتجاوز رقعة انتشارها الجغرافي، وبالتالي احتلاله لبيروت لم يكن ليدوم شهراً كحدّ أقصى، وتداعيات هذا الاحتلال كانت فجّرت حرباً أهليّة يكون الحزب أوّل ضحاياها.

ثالثاً، إنّ الفرصة الوحيدة التي أتاحتها أحداث 7 أيّار، طالما إنّ السيّد يتحدّث عن فرصة، تكمن في أنّ مجموعة واسعة من القوى السياسية المنضوية في صفوف 14 آذار اكتشفت "حزب الله" على حقيقته بأنّه يريد تحويل لبنان إلى أرض للمقاومة الإيرانية، فيما هذه القوى كانت ما تزال مضلّلة وتميّز ما بين سلاح الداخل والسلاح في مواجهة إسرائيل.

رابعاً، بعد أن أيقن "حزب الله" أنّ تغيير المعادلة في لبنان بالقوّة العسكرية ممنوع، وبعد أن أيقن أيضا أنّه عاجز عن تغيير هذه المعادلة في صندوقة الاقتراع، قام بانقلاب دستوري مستفيداً من أوضاع خارجية مواتية (الـ سين سين وما رافقها)، وخوف غير مبرّر لدى رئيس الحزب الاشتراكي، وجوع عتيق للسلطة لدى الرئيس نجيب ميقاتي.

خامساً، تحوّل "حزب الله" مع الحكومة الميقاتية إلى الحزب الحاكم في لبنان، لا بل المهيمن على البلد ومقدّراته. فهو يمسك بكلّ مفاصل السلطة السياسية والأمنية، ويتحكّم بتوجهات الحكومة الممنوع عليها الاستقالة إلّا بأمر همايوني منه. فما لم يستطع تحقيقه عمليّاً في 7 أيّار حقّقه بواسطة هذه الحكومة.

سادساً، التمييز ضروري بين الحزب القائد أو الطائفة القائدة، لأنّ المكتسبات السلطوية التي يحقّقها الحزب تعود له وحده لا للطائفة الشيعية، كون مشروعه ليس شيعياً لبنانياً بالمعنى التقليدي لصراع الطوائف على السلطة، إنّما مشروع إسلامي هدفه انتزاع الورقة الفلسطينية وكسر محور الاعتدال العربي وأسر توجّهات المنطقة وربط نزاع مع الولايات المتحدة وإسقاط الاستكبار العالمي…

سابعاً، الهدف المركزي الذي وضعه الحزب بعد الخروج السوري من لبنان تمثّل بإعادة استنساخ النموذج السوري بحكم البلد، وهذا ما نجح في تحقيقه مع إسقاط حكومة الحريري. فلا بأس من تنوّع سياسي طالما لا يعطّل "مشروع المقاومة"، وإلّا القضاء على هذا التنوّع يصبح محلّلاً…

ثامناً، أين يصرف كلام السيّد نصرالله بأنّ الحزب لا يريد الهيمنة على البلد؟ فإنّ من لا يريد الهيمنة يحتكم للدستور والقوانين، ولا يسعى إلى إخضاع الناس بسلاحه؟ وإنّ من لا يريد الهيمنة يحرص على التوازن والتكافؤ والمساواة. فعن أيّ مساواة نتكلّم في ظلّ فريق مسلّح وآخر أعزل؟ فالدولة لا تستقيم في ظلّ مشروع غلبة يتولّاه الحزب الحاكم.

"لا تستطيع طائفة وحدها أن تحكم البلد". هذا الكلام صحيح. ولكن ماذا عن الحزب الذي يستخدم الطائفة لتعطيل البلد والدولة خدمةً لمشروعه الإقليمي أو الأممي. إنّ كلّ الحجج التي سيقَت في خطاب السيّد عن الفساد وغياب الإصلاح وصراع الطوائف وغيرها، لا يمكن مقاربتها وحلّها قبل تسليم سلاح حزبه. فبداية الإصلاح تبدأ بانخراطه في مشروع الدولة بشروط الدولة وليس العكس، ويستحيل الإصلاح والتطوير في ظلّ هذا السلاح المعطل للدولة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل