ثمّة خطرٌ فعليّ يتهدّد المسيحيّين اللبنانيّين. ولكنّ هذا الخطر لا يأتي من خارجهم، بل من داخل الجماعة المسيحيّة ذاتها. وهو ناجمٌ عن سياسات تحكمها شهوةُ السلطة ومنافعُها، فتحاول اختزالهم في «أقلّية دينية» لا تُعنَى إلّا بحقوقها الخاصة، وتبحث دائماً عن «قائد مخلِّص» أو قوّة خارجية توفّر لها الحماية. هذا بدلاً من أن يكونوا كما هم في أصل رسالتهم واختيارهم: جماعةً مدعوّةً الى بناء مستقبل العيش المشترك، بالتعاون والتَّصَافي مع الجماعات الأخرى في لبنان والمشرق العربي، على ما أشار «الإرشاد الرسولي» وعلَّم.
إنّ تلك السياسات الأنانية الحمقاء أدّت بالمسيحيّين اللبنانيين إلى أن يجدوا أنفسهم اليوم، ورغماً عن إرادتهم، تحت “حماية” النظامين السوري والإيراني.
هي سياسات شديدة الأذى، لأنّها تعرّض المسيحيّين لخطر التّماهي مع آخر الديكتاتوريات العربية، مسوِّغين بموقفهم هذا إجراماً بات موضع إدانة شبه إجماعية في العالم. كلّ ذلك بحجّةٍ مخادعة، مفادُها أنّ سقوط هذه الديكتاتورية “العلمانية” – رغم وحشيتها ودمويتها الموصوفتين، ورغم اكتوائهم بنارها على مدى عقود – من شأنه أن يُتيح صعودَ إسلاميّين متشدّدين إلى سدّة الحكم في سوريا!
وهي شديدةُ الأذى أيضاً، لأنّها تعرّض المسيحيّين لخطر التهميش، فيما تُعاد صياغة المنطقة العربية، من دون أن يكون لهم دورٌ بنّاء في العالم الجديد الذي أخذ يُطلُّ من بوّابة “الربيع العربي”. هذا في وقت أصبحت كرامةُ الانسان – وهي في أساس قيمنا المسيحية – الموضوعَ الرئيس لهذه الثورة التي أعادت إلى الفرد العربي إحساسه بذاته، بعدما تمَّ تغييبُه طويلاً خلف شعار “الجماعة”. أي أنّ هذه الثورة أعادت إليه ثقته بقدرته على أن يكون سيّد تاريخه الشخصي، وشريكاً في تعيين الخيارات السياسية المُلازمة له.
والأخطر من ذلك أنّ تلك السياسات، بوسائلها وغاياتها، تجرّد المسيحيين من امتيازين: امتيازُ كونِهم أوّل من بادر في العالم العربي، باسم الحرّية والعدالة، إلى الثورة الشعبية السلمية على ديكتاتورية السلطة، فمهّدوا بـ”ربيع بيروت” 2005 الطريق أمام “الربيع العربي” 2011؛ والامتياز الآخر أنّهم كانوا أوّل من دعا في المشرق العربي إلى إقامة “الدولة المدنية”، وذلك في المجمع البطريركي الماروني 2006.
إنّ هذه السياسات التي يختصرها مشروع “تحالف الأقلّيات ضدّ الأكثرية العربية – الإسلامية” قد شارفت على نهايتها مع السقوط الوشيك للنظام السوري. بَيدَ أنّ حَمَلَةَ هذا المشروع – وهم اليوم الأشدُّ تمكُّناً في مفاصل السلطة اللبنانية – يحاولون جاهدين إدامَتَه على قيد الحياة، بتسعيرهم التوتّرات الطائفية والمذهبية، واستحضار مناخات الحرب الأهلية.
كيف يمكن وضعُ حدّ لهذا النُّكوص (الارتداد) المُريع الذي بات يُثقل على مستقبلنا، نحن المسيحيين، في لبنان كما في العالم العربي؟
لتلك الغاية علينا أن ننهض بثورة أخلاقية حقيقية، فنُعيد الاعتبار إلى قيمنا المؤسِّسة لخصوصيتنا في هذا العالم العربي ذي الأكثرية المسلمة. وذلك بالعودة إلى
جوهر الرسالة الإنجيلية، ألا وهي إرشادُ الناس إلى العيش معاً بسلام، ونبذُ أيّ توظيف للدين في خلق هويّات مغلقة سرعان ما تتحوّل – كما بيّنت تجربة الحرب – إلى “هويات قاتلة”.
علينا أيضاً أن نمتلك الشجاعة الكافية للمراجعة الذاتية و”تنقية الذاكرة”، كما دعانا الإرشاد الرسولي منذ العام 1997، فنعترف بمسؤوليتنا المشتركة، مسيحيّين ومسلمين، عن الحرب التي دمّرت بلدنا. ذلك أنّنا جميعاً لجأنا، في وقت أو آخر، إلى السلاح، وسعى كلٌّ منّا إلى الاستقواء بالخارج على خصمه الداخلي، متخلّين عن سيادتنا واستقلالنا.
علينا أيضاً وأيضاً أن نستعيد مَأثِرةَ الذكاء، فندرك مجدّداً أنّ غنى أيّة جماعةٍ لا يُقاس بكثرة عددها وقوّة نفوذها في الدولة، وإنّما يُقاس بالرسالة التي تحملها في بيئتها الإنسانية ومحيطها. فالمكانةُ المميّزة التي احتلّها المسيحيّون المشارقة في العالم العربي إنّما كانت الثمرة الطيّبة للدور الإيجابي النشط الذي لعبوه في النهضة العربية منذ القرن التاسع عشر. وذلك بفضل أعلامٍ من أمثال ناصيف اليازجي وبطرس البستاني وجبران خليل جبران وآخرين كثر، كما بفضل مؤسّساتٍ زاهرة من معاهد وجامعات ومطابع وصحف ومستشفيات ومصارف…
علينا أخيراً أن نَرجع بالسياسة إلى معناها النبيل، بعدما أضحت في هذه الأيّام مجرّدَ أداة للصراع على السلطة، حيث كلُّ الضربات مسموحة، وحيث لا غاية للخيارات السياسية سوى تسجيل النقاط على الخصم في هذا الصراع المجنون. لذا ينبغي وضعُ حدّ لتغييب قيمة الإنسان الفرد – المواطن واختزاله في الجماعة، كي نُسقط فزّاعةَ “الخوف من الآخر”، هذه الفزّاعة التي يشّهرُها معظمُ السياسيين في وجوه أنصارهم، كي يرّقَوا عليها وعليهم إلى مراتب السلطة ومنافعها. وهذا الأمر لا يتحقّق إلّا بإعطاء الدولة، والدولة وحدها بلا شريك أو منازع، مهمّة حماية الأفراد والجماعات تحت سقف القانون وبموجب أحكامه.
إذا تمكّنا من وقف هذا النُّكوص الطائفي الذي أصاب جماعتنا والذي أرخى بظلالٍ من الشكّ على دورنا التاريخي في لبنان والمنطقة، عندئذٍ نستطيع أن نُعيد تعريفَ رسالة المسيحيّين في المرحلة الراهنة، ونقدّمَ إسهامنا الخاص في عملية التحوّل التاريخي التي أطلقها الربيع العربي.
هذه الرسالة إنّما هي في الجوهر والعُمق رسالةُ سلام:
• رسالةُ سلام في اتّجاه جميع اللبنانيّين، كي نجعل من السقوط الوشيك للنظام السوري – الذي يتحمّل مسؤولية عظمى عن الحروب التي أدمت بلدنا – نُقطةَ انطلاق نحو سلامنا الدائم؛
• رسالةُ سلام في اتّجاه جميع المسيحيّين، كي نطويَ صفحة النزاعات الداخلية، ونعملَ على وحدة كنائسنا، لنشكّل “كنيسة العرب” التي حدّثنا عنها الأب يواكيم مبارك، والتي من شأنها المساهمةُ مع المسلمين في تجديد المشرق العربي؛
• رسالةُ سلام في اتّجاه المسلمين السنّة والشيعة، كي نضع حدّاً لنزاع يتهدّد المنطقة العربية بحرب أهلية حقيقية. فمن واجبنا كمسيحيّين أن نعمل على استتباب الوئام بين كافة مكوّنات المسلمين، وأن نفكّر معهم وبمؤازرتهم في اشتقاق “طريق عربية” نحو الديموقراطية؛
• رسالةُ سلام في اتّجاه إخوتنا السوريين الذين يدافعون اليوم بشجاعة نادرة عن كرامتهم وحرّيتهم، كي نفكّر معاً في مشرق عربي جديد، “مشرق العيش معاً”، حيث ينبغي للتنوّع الديني والإثني أن يكون مصدرَ غنىً لكلّ شعوبه، مشرقٍ منفتح على العالم، وقادرٍ على أن يُعيد الوصل مع تراث النهضة العربية، ليشكّل قطب تجدُّدٍ لمجمل العالم العربي.
إستناداً إلى ما تقدّم، وتمهيداً لزيارة قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان في أيلول المقبل، حَرِيٌّ بنا أن نعمل على بلورة الخطوط الرئيسية لـ”شرعةٍ مسيحية”، من شأنها أن تشكّل منطلقاً لـ”ربيع المسيحيّين العرب”، وأن تُعيّن دورهم في تعزيز فكرة السلام والعيش معاً، في هذه الحقبة من التحوُّل التاريخي الذي يشهده العالم العربي.