وقفة متأنية، حكيمة، واعية، مع الخطاب الأخير الذي ألقاه سماحة السيد حسن نصر الله في إحدى المناسبات الرمضانية الأخيرة، ولا نتردد قيد أنملة في استهلال هذه الكلمات، بالإشادة ببعض ما ورد فيه، متناولا طبيعة التركيبة اللبنانية من خلال تعدد الطوائف والمذاهب الدينية، وصولا إلى قناعة أثبتها في قوله بان لا مجال في لبنان لطائفة أن تحكم طائفة أخرى بمفردها، ولا مجال لطائفة أن تقود طائفة أخرى بمفردها، ولا مجال لأي كان في هذا البلد أن يهيمن على الآخرين بأي من وسائل الطغيان والهيمنة.
كلام سليم معقول ومقبول، أيده تاريخ لبنان على امتداد مراحل الحكم والتحكم المختلفة التي توالت عليه، فكان غياب التوازن واضطراب التعادل وطغيان المصالح الفئوية، سببا في انقلاب الأوضاع رأسا على عقب، لنخلص إلى النتيجة التي أكدها سماحة السيد حسن، بأن أي حكم وأية قيادة لا يمكن أن تسود في لبنان، إلا إلى حين، حتى لو تمنطقت بالسلاح وبالتنظيم المتشدد، فسريعا ما سينقلب حالها إلى حال مختلف، ولا تستقيم أحوال لا يرعاها منطق وطني خالص، ابتكره اللبنانيون من خلال حالهم التعددي وأحوالهم المليئة بالحساسيات والتناقضات.
هذه النتيجة التي أثبتها السيد حسن، لا تمنعنا من الوقوف أمام نقاط أخـــرى، حاول من خلال التطرق إليها تبرير وجود للمقاومة، بإعطائها الصفة الأبدية السرمدية، وكأنما لبنان دولة لا كالدول، لا تستقيم أوضاعها إلا إذا كان فيـها ما يشبه الدولتين، ولا يستقر أمنها إلا اذا تزامل على أرضها ما يشيه الجيشين، يضاف إلى ذلك خلاصة تستقر عليها كلمته بل كلماته في كل المناسبات، بان سلاح المقاومة باق بقاء الدولة، وبقاء الشعب، ومستمر في كل الأحوال والظروف، وعلى اللبنانيين أن يتفهموا وأن يتأقلموا مع هذا الواقع، وان يتقبلوه حلا وطنيا شاملا لكل الوطن وكل المواطنين، حتى ولو كان المقاومون من منطقة واحدة ومن مذهب واحد، وحتى لو كان للبنان دولة ودستور وقوانين، وأكثرية وطنية ترى غير ما يرى سماحة السيد، وتراه المقاومة.
في الشأن العام كله، نختصر مواقف الكلمة الأخيرة للسيد بخلاصة لقوله تذهب للتوجه الى الجميع بالطلب بان يتأقلموا مع هذا الواقع، واقع السلاح الباقي والمستمر حتى ولو تحررت بقايا الأراضي المحتلة ، فالخطر يمتد بنا مع اسرائيل إلى ما شاء الله، وصولا في ذلك، إلى توجب حماية آخر قطرة بترول وآخر ذرة غاز موجودة في المياه اللبنانية، والخطر بالنسبة إليه ما يطاول الأوضاع الإيرانية من أخطار، حتى إذا ما تعرضت لأي هجوم، كان الهجوم معتبرا وكأنه حاصل على الحزب، ويستوجب ذلك منه عمليات عسكرية دفاعية عن ايران بكل ما للأعمال العسكرية من مدى.
ويتساءل سماحة السيد : هل وصلنا إلى اللحظة المناسبة لنستغني عن المقاومة ؟
ما هي قوة الردع البديلة التي يمكن أن تتوافر للبنان كي نطمئن إلى أن اسرائيل تخشى الإعتداء عليه. هل أطماع إسرائيل بأرضنا ومياهنا انتهت … ما هي ضمانات لبنان ليحصل على نفطه وغازه ؟ هل يستطيع الجيش أن يشكل قوة ردع ؟ هل يمكن لقوة الجيش اللبناني ان توازي قوة الجيش الإسرائيلي لتتغلب عليه؟
تساؤلات تضع الحلول المفترضة كلها أمام سدود من الإستحالات التامة التي تؤدي إلي النتيجة التالية : المقاومة، قضاء وقدر دائم لا يمكن الاستغناء عنها كائنا ما كانت الأسباب والأحوال!
وكما دعا السيد إلى وقفة عقلانية لإيجاد الحلول، واضعا نقاطا عديدة تسبب للآخرين كثيرا مـن القلق والتحسب والمخاوف، فإننا ندعو إلى مثل هذه الوقفة، لنتساءل بدورنا: ألا تطمع إسرائيل أيضا بأراضي ومياه وثروات الدول العربية جميعا وخاصة منها تلك المحيطة بها أو القريبة منها، وهل استدعى هذا الطمع المحتمل أن تقوم مقاومة بالنموذج اللبناني، مقاومة لا تعترف بالأحوال الظرفية والموقتة، وتعتبر كل الاحتمالات أمرا مرعبا يستدعي ما هو حاصل وما هو مستمر كائنا ما كانت الأحوال والظروف، فإذا ما زالت حالة، استجدت حالة أخرى، فنكون أمام سلسلة تلقائية من تجدد الحال الدائم والثابت : استمرار السلاح أساسا دائما من سياسات الكيان اللبناني.
وعلى سبيل المثال والتماثل أيضا، إذا ما تطلعنا إلى الأوضاع السورية قبل الثورة القائمة وبعدها، وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار جولانها المحتل منذ ما يزيد على الأربعين سنة، دون أن يستدعي هذا الواقع أو يسمح بقيام مقاومة سواء كانت مؤقته أم كانت دائمة ومستمرة.
وبالتالي، مثلنا في لبنان كمثل الجيش السوري، وحده لا يمكنه أن يقارع الجيش الإسرائيلي، بدليل أن النظام السوري يتغاضى عن الإحتلال الفعلي للأراضي السورية، ولعل لديه بعض العذر في ذلك، حيث أن مواجهة إسرائيل عسكريا يقتضي أن تتم من خلال استراتيجية عربية عسكرية موحدة، تتضافر لها القوى العربية كافة، حيث لا يمكن لا للبنان ولا لسوريا ولا لأي بلد عربي آخر، أن يحقق نصرا حقيقيا وشاملا وفاعلا على إسرائيل، الا من خلال التضامن والتعاون العربي العسكري بكل أو بمعظم دوله وجهوده وطاقاته.
وعليه، الجيش اللبناني بوضعه الحالي، وظروفه القائمة، لا يمكن أن يتحرر من بعض الأسر الذى هو فيه، إلا من خلال تضامن وطني شامل، تنضم إليه القوى الوطنية جميعا ليكون جيشا لكل الوطن، ولتنضم إليه قوى المقاومة، وليكون سلاحه في صلب سلاح الدولة، ولتكون الدولة حامية وراعية له، لا أن يكون هذا السلاح بأوضاعه القائمة هو الحامي للدولة وراعيها!
لقد ذهب سماحة السيد في ما ذهب إليه، إلى أن البعض يقول أن هناك مخاوف من وجود المقاومة وسلاحها، خصوصا أن هذا السلاح موجود لدى جهة محددة من طائفة موحدة، مما يعني أن الطوائف الأخرى … تقلق وتخاف، كما ذهب إلى أن المقاومة تشكل حاليا قوة ردع بوجه اسرائيل.
ويضيف السيد إلى المخاوف المعارضة لوضعية الانتخابات التي يقتضي الا تجري في ظل السلاح، وأن النسبية لا يمكن اعتمادها في وجود السلاح المقاوم.
وعلى هذين المثلين وعلى سواهما من أقواله ، يمكن الأخذ والرد، والقول المقابل لدى البعض يذهب إلى أن وهج السلاح واستعماله في الداخل (8 أيار – يوم القمصان السود …) يؤثر على مجريات الأمور كلها، فللسلاح المقاتل والجاهز للانقضاض ولاحتلال ساحات البلد الرئيسية طيلة عام ونصف، والتهديد الذي رافقه باقتحام السرايا الحكومي آنذاك، والمواقف المانعة للجيش ولقوى الأمن من ممارسة دورها ومهامها في أماكن مختلفة عائدة لمناطق نفوذ السلاح، ومن بينها المربعات الأمنية، وقرارات الحرب والسلم المتخذة بصورة انفرادية لا شان للدولة ولا للشعب بها.
ما ذكـره السيد من تخوف اللبنانيين من المقاومة وما عدده من أسباب مختصرة، هو فعلا مدعاة تحسب وقلق لدى الآخرين، وهناك مصارحة عامة من الكثيرين تذهب إلى أن أخشى ما يخشاه اللبنانيون، هو تلك العلاقة الوثيقة القائمة ما بين حزب الله وايران، مصحوبة بتلك العلاقة الملحقة ما بينه وبين النظام السوري، الذي يمعن منذ اكثر من عام ونصف في تدمير سوريا وقتل أبناء الشعب السوري ومنذ ذلك الحين وقبله وبعده، يقف الحزب وتقف المقاومة في موقع مؤيد لعمليات القتل والتدمير الشامل الحاصلة في سوريا.
أشرنا إلى العلاقة الوثيقة مع ايران، ونستعيد في هذا المجال تصريحات عديدة لمسؤولي حزب الله وفي طليعتهم سماحة السيد الذي لطالما افتخر بكونه جنديا في اطار ولاية الفقيه، فضلا عن ما هو ثابت لجهة انتماء الحزب إلى التركيبة الأمنية الايرانية منذ نشأته وحتى الآن، وأنه لن يتردد في الوقوف إلى جانب إيران في حالــة تعرضها لايــة مواجهة ومجابهة إقليمية أو دولية، وقد صرح مسؤولون إيرانيون عديدون وفي اكثر من مناسبة بان صواريخ الحزب ستنطلق لتغطية اسرائيل بمجرد حصول هجوم أميركي أو إسرائيلي على إيران، وهذا قرار للحزب وليس للدولة اللبنانية ولا لرئيسها ولا لبرلمانها ولا يخدم أية قضية لبنانية، بل يواكب ايران ويحمي مصالحها دون أي التفات لما يمكن أن يسببه هذا الوضع من خراب ودمار للبنان واللبنانيين، خاصة إذا ما امتدت المجابهات لتشمل الولايات المتحدة والحلف الاطلسي، وليصبح لبنان تحت ضربات عملاقة، تقتضي الموضوعية، بان نشير الى أنها فوق طاقته وقدرته، ومنشأها بعيد عنه وعن قضاياه وعن مصالحه.
نعم… السلاح يقلق اللبنانيين، للأسباب التي ذكرها سماحة السيد وللأسباب التي المحنا إليها في هذا المجال، ولأسباب أخرى يمكن أن يطول سردها إذا تم تجاوز مجال هذا المقال، إلى دراسة تفصيلية معززة بأكثر من برهان وأكثر من سبب.