بدت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي كأنها مُنيت بضربة قاسية من شأنها ان تَستتبع لاحقاً طرْح مصيرها واستمرارها على نحو جدّي هذه المرّة. ذلك ان إقرار الحكومة مشروع قانون الانتخابات النيابية مفصلاً على قياس مصالح قوى الاكثرية ولا سيما منها قوى "8 آذار" كما بات ثابتاً وواضحاً فجّر في وجهها حقل ألغام واسعاً لا يُعتقد ان الاطراف المشاركين في الحكومة حسبوا له بدقة قبل ان تتسرّع في اقرار المشروع.
وتُدرج اوساط سياسية واسعة الاطلاع مجموعة عوامل ومعطيات للدلالة على ما تصفه بالخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الحكومة في مقابل رسْمها علامة استفهام كبيرة عما اذا كان ذلك حصل بدفع خفي لخدمة مآرب اقليمية معينة لم تقوَ الحكومة على تحمل تبعاتها. وأبرز هذه المعطيات يتمثل اولاً في عامل التسرع الذي يقف خلف عقد ثلاث جلسات متعاقبة لمجلس الوزراء انتهت باقرار مشروع القانون كأنه "تهريبة" في حين تواجه البلاد مجموعة ازمات اكثر الحاحاً وسخونة ولا تصرف من اجلها جلسات استثنائية كهذه، وهو امر رسم علامات ريبة في ان يكون ثمة ضغط من جهات داخلية وخارجية لمحت اليها الاوساط بوضوح وهي "حزب الله" وايران ودمشق بالدرجة الاولى، كي يأتي اقرار المشروع بمثابة عنوان سياسي لبناني عريض لاستمرار فريق الحلفاء لهذا المحور متمتعاً بالقوة السياسية الساحقة والقدرة على توجيه دفة التطورات في لبنان في وقتٍ يقترب خطر انهيار النظام السوري من عد عكسي حقيقي.
وتضيف الاوساط ان الخطأ الثاني الموصوف تَمثّل في اقرار المشروع بالتزامن مع زيارة المسؤول الايراني سعيد جليلي لبيروت، فسواء كان هذا التزامن مقصوداً ام بالصدفة فان احداً لا يمكنه نزع عامل الترابط بين خطوة كهذه أقدمت عليها الحكومة ودلالة جرعة الدعم القوية لـ"حزب الله" وحلفاء ايران وسورية التي شكلتها زيارة جليلي.
اما على الصعيد المرتبط بمشروع القانون في ذاته، فان الاوساط المطلعة نفسها ترى ان عامل المفاجأة لم يكن فعلاً في اعتماد النظام النسبي باعتبار ان جوهر النقاش منذ انطلاقه بشأن المشروع الذي وضعه وزير الداخلية مروان شربل يدور حول النسبية وكان الجميع يدركون ان الحكومة ستتبنى هذا الخيار حتى ان قوى المعارضة نفسها لم تكن ضد مبدأ النسبية لولا الظروف السائدة المتعلقة بمشكلة سلاح "حزب الله". لكن المفاجأة تَمثلت في وضع الدوائر الانتخابية وتفصيلها على نحو يرسم خريطة طريق لالغاء او اقصاء قوى رئيسية في مقدمها تيار "المستقبل".
وتقول الاوساط ان ما يفاجىء فعلا هو سؤال لا يزال من دون جواب لدى قوى "14 آذار" والاوساط المستقلة ويتعلق بموقف رئيسيْ الجمهورية والحكومة وكيف أمكنهما السير بمشروع لتقسيم الدوائر على هذا النحو الذي يعني "حرب الغاء" سياسية وانتخابية لفريق اساسي وازن بل ربما لطائفة.
واذ تعتبر الاوساط ان الرئيسين أخطا تماماً في هذا الموقف بدليل ردود الفعل الحادة على المشروع، وبدليل توضيح الرئيس ميشال سليمان انه يفصل في موقفه تأييد النسبية عن تقسيم الدوائر، فانها ترى ان النتائج الحتمية التي ادى اليها هذا المشروع لن تتوقف عند حدود إسقاطه الحتمي في البرلمان بل ستتعدى ذلك الى وضع مصير الحكومة كلاً على مسار معركة سياسية حادة في وقت قريب. فاذا كانت عودة التحالف بين قوى "14 آذار" والزعيم الدرزي وليد جنبلاط هي النتيجة الكبيرة الاولى لهذا المشروع التي من شأنها ان تسقطه حتماً وتجعله مولوداً ميتاً في مهده، فان النتيجة الكبرى اللاحقة قد تؤسس للضرب بقوة على محاصرة الرئيس نجيب ميقاتي في الشارع السني وبدء المطالبة بحكومة حيادية تشرف على الانتخابات وهو الامر الذي سيترافق مع جدل انتخابي فُتح بقوة وسيرتبط بكل التطورات المرتقبة على الصعيدين اللبناني والاقليمي في الاشهر الساخنة المقبلة.
وينتظر ان يكون مشروع قانون الانتخاب، الذي يُعطي أرجحية لقوى "8 آذار" للفوز بانتخابات 2013 بـ 63 نائباً مقابل 56 لقوى "14 آذار" والباقي لمستقلين يدورون في فلك "8 آذار"، محور اتصالات مباشرة بين النائب جنبلاط وقوى "14 آذار" للبحث في إعلان موقف مشترك من قانون النسبية والتقسيمات الانتخابية الجديدة اضافة الى الاطلالة على مرحلة الانتخابات المقبلة وما بعدها، وسط معلومات عن ان قوى "14 آذار" لن تكتفي برفض المشروع والعمل على اسقاطه، بل تعكف من خلال لجان تنسيق مصغرة تضم قواها الاساسية وشخصيات فيها على العمل للتوصل الى قواسم مشتركة تشكل نواة صالحة لصوغ مشروع موحد بالتنسيق مع جنبلاط، على قاعدة "رفض النسبية تحت سطوة السلاح"، ورفض العودة الى قانون الستين، وفي ظلّ توجه عام يمكن ينحو في اتجاه اعتماد الدوائر الصغرى التي تؤمن التمثيل الصحيح.