لا نتوجه بلوم سياسي الى الرئيس نجيب ميقاتي، فقد اعتبرنا منذ توليه رئاسة الوزراء انه يتمتع بخصائص مميزة منها طول البال، وخبرة الاعمال، والثقافة، والجذع العائلي، ولا نزال عند اقتناعنا بذلك.
ما يصدمنا البحث في الحلول المالية والاقتصادية، والذي يبدأ دوما من منطلق ضيق ألا وهو واردات الدولة، وموجباتها. والحقيقة ان هذه الدولة بادارتها المتقاعسة، وقضائها المتقادم، وحشوها لمرشحي الطوائف، لا يحق لها ان تطلب من اي مواطن ضريبة اضافية قبل ان:
– تجرد موجوداتها العقارية واستخداماتها، وتفسر لنا اقتناعها مثلا عن تطوير اراضي الردم البحري في ضبية في حين ان هنالك مشروعاً واعداً للقطاع الخاص.
– تشذب اعداد وتكاليف موظفين لا يعملون، أو هم يعملون في مقابل شروط غير واضحة ومنافع غير مستحقة، ومن هؤلاء موظفو السكك الحديد، وغالبية موظفي منشآت النفط في طرابلس والزهراني، والعدد الاكبر من المياومين في حال استخدام أجهزة القياس الالكترونية، ونسبة ملحوظة من الفريق الامني لمجلس النواب الخ.
– تدرك ان مشكلة الكهرباء هي المشكلة المالية الاساسية. فالعجز في النفقات الجارية يفوق الـ1,8 مليار دولار سنويا، واذا احتسبنا ما يدفعه اللبنانيون للمولدات الخاصة التي باتت تؤمن 40 في المئة من طاقة الانتاج في لبنان، يصير المواطن اللبناني مسؤولا عن اشتراك الكهرباء لدى مصلحة كهرباء لبنان او المصالح الثلاث المستقلة في زحلة، وعاليه وبحمدون، وجبيل، ولدى اصحاب المولدات الخاصة. وعند احتساب كلفة تزود الكهرباء، تتجاوز للعائلة المتوسطة 250 – 300 دولار شهريا، الامر الذي يضر بموازنة العائلة، للعائلات المتوسطة الدخل، ويقعد ذوي الدخل المحدود، ويزيد نقمة المحرومين حيال المرتاحين أو المستفيدين من سرقة التيار الخ.
ان موضوع الكهرباء صار بمثابة سبب النزف الاكبر والضرر الاوسع في لبنان. والواقع، دولة الرئيس، ان تردي خدمات الكهرباء، والمياه، والاتصالات هو الوصمة الكبرى على جبين بلد كان يعتز بمراتبه في المعاصرة والتقدم، وقد بات استنادا الى التقويمات الدولية، من اسوأ الدول على صعيد الخدمات العامة – ذلك ان هذه معلقة على قرارات السياسيين، وهؤلاء يتصرفون من منطلقات مذهبية وشعبوية لا وطنية، وهم لا يستشعرون اهمية الزمن في الانجاز واليك مثل واضح على ذلك:
عام 1997 وجهت رسالة الى وزير الكهرباء في حينه الياس حبيقة، الذي كان متوثباً ومثابراً على ادراك مزالق انتاج الكهرباء وتوزيعها ، واقترحت في رسالتين تداركا لعملية التلاعب بالعدادات وتجاوزاً لبدائية عمل المياومين الذين ينتشرون لقبض الفواتير، تجهيز جميع المشتركين بعدادات الكترونية تراجع ارقامها من بعد، وتسدد فواتيرها بواسطة الحسابات المصرفية، وتقطع تلقائياً عند التمنع عن الدفع.
بعد اغتيال الوزير الياس حبيقة تولى الوزارة الاستاذ سليمان طرابلسي الذي كان قمة في الاخلاق، وفي الوقت ذاته أبعد ما يكون عن الشؤون الفنية، فلم يعالج الموضوع. فكان كالحارس القضائي، على مؤسسة تتدحرج نحو الافلاس، لولا دعم الدولة، وتخصيصها القسم الاعظم من عجز الموازنة لمساندة هذه المؤسسة.
الكهرباء تعاني مشاكل في كل مرحلة من تأمين هذا المنتج الاساسي للمجتمعات الحديثة، على صعيد الانتاج، ذلك ان الطاقة متقادمة وتجهيزها هو لاستعمال المشتقات المرتفعة الثمن ونسبة التلوث، علما بان محطتي البداوي والزهراني انجزتا لاستعمال الغاز الطبيعي أو المازوت، ولسوء الحظ لم تستعمل طاقة هاتين المحطتين كاملة لان الغاز لم يتوافر بشكل واف ومستقر، والمازوت كان ولا يزال اللقيم الاكثر كلفة، وشبكات النقل متعثرة، وانجاز شبكة التوتر العالي مرهونة بموقف الاهالي من التمديدات في موقعين، والتحصيل حتى تاريخه لم يتجاوز نسبة 50 في المئة من الفوترة، والمولدات الخاصة صارت بالنسبة الى الطاقة وتلبية حاجات المستهلكين، أكثر فاعلية من الشبكة الاساسية.
وبرنامج اصلاح قطاع الكهرباء، الذي هو جزء غير بسيط من استعمالات الطاقة، والتي يجب ان تشمل عقلنة السير، واستهلاك المشتقات النفطية، وتكرير النفط، وربما استخراج النفط والغاز، واستعمال الطاقة الشمسية والهوائية الخ الخ، موضوع خطة مفصلة للبنك الدولي. وهذه الخطة قدِّمت في تاريخ 1999/7/9 الى الوزير سلميان طرابلسي، ومذذاك والمساعي متقطعة وغير مكتملة، والبلد يخسر من انقطاع الكهرباء والاتصالات أكثر من اثنين في المئة من نمو الدخل القومي سنويا، عدا العجز المالي الذي يساوي نسبة 40 في المئة من عجز الموازنة.
دولة الرئيس، عليك ان تقدم على اصلاح قطاع الكهرباء قبل التوجه نحو المواطنين بضرائب واعباء جديدة، وقد التزمت الحكومة في تاريخ 2011/10/5 انشاء هيئة ادارة القطاع خلال ثلاثة اشهر، ولا يزال المواطنون ينتظرون انشاء هذه الهيئة التي لا يجوز تأخير قيامها وتفعيلها. والامر الوحيد الذي يحول دون ذلك، خلاف سياسي بين الوزير وافرقاء سياسيين آخرين، والمواطن يئن من انقطاع الكهرباء وفواتير المولدات الخاصة وتعثر اتصالات الهاتف االخليوي، واختناق السير، وعجز امدادات المياه.
دولة الرئيس، لديكم برامج متكاملة لموضوع الكهرباء، وقد ساهم الوزير جبران باسيل في جزء منها. ولديكم دراسات موسعة عن تطوير مصادر المياه، واذا اقدمتم على تنفيذ خطوات اصلاح قطاع الكهرباء، ومهدتم لاطلاق مشاريع حماية وتطوير موارد المياه، تكسبون للبنان فرصة للنجاح الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي في زمن متأزم في المنطقة توسعت اضراره لتصيب لبنان في الصميم.
ان التحدي القائم حياتي للبنان واللبنانيين، واللبنانيون يطلبون منك، وانت صاحب الخبرة والنظرة الواسعة، ان تتحرك في الاتجاه الصحيح، فما نشهده وما نسمعه لا يشفي الغليل ولا يعد بالخير.
