تساؤلات عن مغزى إنغماس سليمان في تمرير قانون الإنتخابات بمعزل عن تفاهم الحدّ الأدنى مع 14 آذار
صفقة ملتبسة تُسقط حيادية رئيس الجمهورية وتزيد من حدّة الإنقسام السياسي بدلاً من تجاوزه
هل كان مشروع قانون الإنتخاب أهم من توفير الكهرباء للناس؟
كان اللبنانيون منذ مدة طويلة ينتظرون أن تولي الدولة اللبنانية اهتماماً استثنائياً لمسألة تحسين وضعية التيار الكهربائي بموازاة باقي المسائل والقضايا السياسية والاجتماعية الأخرى، كونها أصبحت الشغل الشاغل لكل المواطنين وما زالت حتى الساعة تتقدم على ما عداها من قضايا أخرى، نظراً لعلاقتها المباشرة بكل مفاصل الحياة اليومية للناس والدورة الاقتصادية عموماً، وأن يبادر رئيس الجمهورية ميشال سليمان، لتخصيص جلسة أو أكثر لمجلس الوزراء، أو عقد اجتماعات عمل متواصلة مع وزير الطاقة والمعنيين، كما بادر لعقد اجتماعات بخصوص مشكلة «الداتا» مؤخراً، لمقاربة مسألة الكهرباء بجدية وإلحاح ومسؤولية، لوضع حلول آنية تخفف عن الناس الانقطاع المتواصل للتيار في جميع المناطق اللبنانية في عزّ فصل الصيف وللتخفيف من تداعيات خلافات أطراف الصف الواحد داخل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي واعتصاماتهم المبرمجة في مؤسسة الكهرباء ولمساءلة الوزير باسيل عن مصير المبالغ الطائلة التي استحصل عليها من جيب المكلف اللبناني لتطوير وتحسين التغذية بالتيار الكهربائي.
مرّت جلسة لمجلس الوزراء وجلستان وثلاث، وكل الدولة من رئيس الجمهورية والحكومة والوزراء، إنهمكوا في دراسة مشروع قانون الانتخابات دون سواه، وكأنه أهم من توفير الكهرباء للناس، بينما كان قطاع الطاقة يشهد تدهوراً مريعاً لم يعايشه اللبنانيون حتى في أيام الحرب الأهلية المشؤومة، لأنه كما يبدو فإن هناك سباقاً بين إقرار مشروع قانون الانتخابات الجديد وبين إنهيار النظام السوري، كي تنجز الحكومة الميقاتية المهمة الأساس التي أتت لأجلها بترهيب سلاح «حزب الله» والنظام المذكور لتحجيم تحالف قوى 14 آذار الانتخابي وتحديداً تقليص عدد كتلة نواب تيار المستقبل وإزاحة رئيس التيار سعد الحريري عن إمكانية توليه رئاسة الحكومة في المرحلة المقبلة، وإتاحة المجال أمام تحالف «حزب الله» وأتباعه من أيتام حلفاء الأسد للفوز بالأكثرية النيابية الجديدة وبتعبيد الطريق أمام خصوم الحريري السياسيين من السنّة للفوز بسهولة في طرابلس وصيدا وغيرها من المناطق.
وبالطبع، لم يتحقق ما تمناه الناس الذين ازدادت معاناتهم، ورئيس الجمهورية لم يأخذ مسألة التيار الكهربائي بأهمية مشروع قانون الانتخابات الجديد، ربما لأن المقرّبين منه لا ينقلون إليه الصورة الحقيقية عما يقوله المواطنون بحق المسؤولين في الدولة، وما يرددونه من عبارات التهكم والازدراء بحقهم، أو لأن الرئيس لم يعايش مثل هذه التجربة الصعبة لانقطاع التيار الكهربائي في مثل هذه الأيام البالغة الحرارة، كون التيار مؤمّن باستمرار في القصر الرئاسي بحكم موقع الرئاسة الأولى في الدولة اللبنانية، وأجهزة التبريد الرئاسية لا تنفك عن تلطيف حرارة الأجواء السياسية والأمنية والدواليب المشتعلة على معظم الطرق والمنعطفات المهمة، ورفد الرئاسة بنسائم المواعظ التي أنهكت هيبة الدولة وحولتها الى هياكل مفرغة من مضامينها ومفاعيلها المعتادة، في حين أن رئيس الحكومة الذي أفحم اللبنانيين بمعاركه الوهمية مع وزير الطاقة وعمه الجنرال الفاشل، قد استجاب سرّاً وعلانية لكل مطالبهما المالية الملتبسة، لم يسمع بشكاوى الصائمين الذين يفطرون على ضوء الشموع يومياً وما يرددونه بحقه وحق حكومته من شتائم وسباب، لأنه يعتبر أن استمراره على رأس الحكومة الحالية التي ضربت الأرقام القياسية في الأداء الحكومي السيّئ، يمثل تضحية كبيرة منه تجاه اللبنانيين ويمنّنهم ببقائه في موقعه الحالي، لأن بديل استقالته ينذر بالويل والثبور وخراب البصرة، كما حدث إبّان التآمر على إسقاط حكومة الوحدة الوطنية قبل سنة ونصف تقريباً.
ولذلك، فلا داعي لكل الاعتراضات والشكاوى «المبرمجة» التي يحركها السياسيون لإبعاده عن السلطة فقط لا غير كما يردد باستمرار في مجالسه الضيقة، ولأنه يعتبر أن كل الإخفاقات في مسيرة حكومته هي بمثابة «إنجازات» يتفاخر بها بالطبع على رأسها «إنجاز» الكهرباء الذي «يتنعّم» بأنواره كل الناس.
ولأن «العجلة من الشيطان» كما يبدو، جاء تمرير مشروع قانون الانتخابات الجديد ضاغطاً مع تسارع وتيرة إنهيار النظام السوري وإلحاح الموفد الإيراني على كل مسؤولي السلطة لإنجازه بأسرع وقت ممكن قبل إختلال التوازن لصالح الأطراف السياسية الأخرى، ولم يأت متطابقاً مع الحد الأدنى من وعود رئيس الجمهورية المتكررة بأن يكون معبراً للبنان الديمقراطي الحديث في المرحلة المقبلة، ولا يراعي صحة التمثيل والمصلحة الوطنية العليا وليس حائزاً على الحد الأدنى من التفاهم الوطني، بل كان نسخة منقحة عن قوانين الوصاية السورية ويغلّب مصالح قوى الثامن من آذار بشكل مفضوح على مصالح خصومهم السياسيين في تحالف قوى 14 آذار.
فلو أن رئيس الجمهورية إهتم بمعالجة مسألة قطاع الكهرباء كما هو مطلوب وترك البت بمشروع قانون الانتخابات الجديد ريثما تتوافر الظروف المؤاتية لمناقشته وإقراره بتفاهم الحدّ الأدنى، لكان حصد رصيداً كبيراً لدى معظم اللبنانيين، ولكن إصراره على تمرير مشروع القانون الانتخابي على النحو المنحاز لتحالف قوى الثامن من آذار في هذا الظرف بالذات، أظهر انحيازه لأطراف دون أخرى، وأسقط مبدأ وقوفه على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وزاد من حدّة الانقسام السياسي في البلاد وقلّص الكثير من رصيد الرئاسة الأولى لدى المواطنين.