كتب توفيق هندي في صحيفة "الجمهوريّة":
"أنا ضد مشروع قانون الانتخابات الذي أقرّه مجلس الوزراء لأنه لا يراعي المعادلة الأساسية لاتفاق الطائف، ألا وهي المناصفة الحقيقية بين المسلمين والمسيحيين إلى حين إلغاء الطائفية عبر آلية محددة في اتفاق الطائف ومعبّر عنها في المادة 95 من الدستور".
كالعادة، يأتي مشروع القانون ليس نتيجة مقاربة وطنية تهدف إلى الحفاظ على الكيان اللبناني ذي التوازنات الاجتماعية – السياسية البالغة الدقة والحساسية، إنما نتيجة نزاعات سلطوية بين "الأقطاب" تطغى على المصلحة الوطنية التي لا تعطى الأولوية، ولا حتى الاهتمام العادي لدى غالبية هؤلاء "الأقطاب".
في اختصار، يمكن القول إن المشروع المقرّ هو لمصلحة 8 آذار وضد مصلحة 14 آذار، وهو بالتأكيد، يحرم المسيحيين حقاً يعطيهم إيّاه اتفاق الطائف والدستور ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بماهية لبنان الكيان المميز والكيان الرسالة في محيط عربي يتلمّس طريقه إلى الحرية والديموقراطية والعدالة!
وللإضاءة على رأيي الذي ليس موقفا رفضيا لما قررته الحكومة، إنما يرتبط بنظرة إيجابية الى ما يجب أن يكون عليه قانون انتخابات يحقق الهدف المعلن أعلاه. ولكي أوضح رأيي، أتقدم بموجز لمشروع القانون الذي قدمته في حينه إلى لجنة فؤاد بطرس، وكان أيضاً أحد المشاريع الخمسة الذي عرض في اجتماعات بكركي، وهو المشروع الوحيد الذي يحقق في آن معاً المناصفة الحقيقية والعيش المشترك.
غير أن المجتمعين في بكركي قرروا السير بما سمّي المشروع الأرثوّذكسي الذي سرعان ما تخلّوا عنه وانتقلوا إلى البحث عن مشروع أسموه مشروع الدوائر الصغرى… غير أن ميشال عون ترك محاوريه في إطار لجنة بكركي لينضمّ إلى الجوقة الحكومية… وهنا ملخص عن مشروعي لقانون الانتخابات الذي يشكل في حد ذاته النقيض الإيجابي لما يطرح في بازار القوانين الانتخابية، أقدمه للقراء من خلال نص المحاضرة التي ألقيتها في أوتيل غبريال في 6 أيلول 2011 بدعوة من "ملتزمون" حول مشروعي لقانون الانتخابات النيابية.
في خضمّ النقاش الحاد قبيل إجراء انتخابات 2005 حول قانون الانتخابات، صرّح غبطة البطريرك صفير بما معناه أن الدستور يعطي المسيحيين 64 نائباً وأن هذا هو حقهم. واعتبر البعض أن غبطته يريد أن ينتخب المسيحيون نوّابهم. فصحح هذا الانطباع. وكان غبطته يشير إلى أن اتفاق الطائف الذي منحه غطاءه المسيحي والدستور الناتج منه مبنيان على معادلة واضحة: التساوي الفعلي وليس الشكلي بين المسيحيين والمسلمين في شراكتهم في السلطة.
انطلاقاً من هذه النظرة الموضوعية لحقيقة اتفاق الطائف ومضمونه لجهة معالجته الشأن الداخلي اللبناني والتي أتبنّاها بكاملها لمعرفتي الشخصية والعميقة بمسيرة الطائف التي واكبتها عن قرب في حينها، بادرت إلى وضع تصوّر يترجم هذه المعادلة في قانون الانتخابات.
لقد حان الوقت لكي يفتح النقاش الشفاف الصادق الصريح الجدي المجدي والموضوعي بين اللبنانيين الذين باتوا أحراراً حول طبيعة الكيان اللبناني المميز والعيش المشترك في إطار التسوية التاريخية التي حددتها وثيقة الوفاق الوطني وباتت كل الأطراف اللبنانية تعلن التزامها بها.
إن تحديد من يجب أن يحكم لبنان وكيف، أي تحديد طبيعة السلطة في لبنان، هو الموضوع الأساس الذي يجسد ويثبت اتفاق اللبنانيين على ماهية الكيان اللبناني ويخرجه من دائرة الخطر على وجوده كنموذج حضاري مميز في المنطقة والعالم. وبما أن السلطة الاشتراعية هي منبع السلطات الدستورية الأخرى وأساسها، وبما أن الشعب هو الذي يختار ممثليه في المجلس النيابي، فإن الانتخابات النيابية تشكل الآلية الأساسية لعملية تكوين السلطة ويشكل قانونها أساساً لصحة التمثيل وفعاليته وتعبيره الصادق عن تعددية المجتمع اللبناني وتنوّعه، وبالتالي عن تمسّك اللبنانيين بهويتهم وتميز كيانهم في العالم العربي، وليس تميّز كيانهم عنه.
إن الاجتماع السياسي اللبناني قائم على التعدد والتنوع ضمن الوحدة، وبالتالي الوحدة الوطنية ليست حالة ثابتة جامدة تتحقق أم لا، بل هي مسار ومسيرة لتفاعل المجموعتين الطائفيتين الأساسيتين المسيحية والمسلمة، كما لتفاعل المجموعات المذهبية التي تتكون منها هاتان المجموعتان في حركة مستمرة من الحوار الدائم الحر والعيش المشترك اللذين يؤديان إلى توسيع مستمر للجذر المشترك من مقوّمات الحياة الوطنية في الاجتماع والسياسة والاقتصاد.
إن قاعدتي العيش المشترك هما التوازن والتوافق، فإذا اختلّ التوازن أو تزعزع التوافق يتعثر العيش المشترك وتهتز الوحدة الوطنية، وبالتالي يدخل لبنان في حال من عدم الاستقرار. ولذا، فإن الترجمة السياسية للعيش المشترك هي بالتحديد في الشراكة السياسية المتساوية في السلطة بين مسلمين يمثلون ومسيحيين يمثلون، ليس فقط في صوغ القرار، ولكن وخصوصاً في اتخاذه وتنفيذه. إن هذه المعادلة تشكل المحتوى الأساسي للميثاق الوطني والدستور اللبناني وروح اتفاق الطائف والنظام السياسي اللبناني.