كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية":
هل كان فرع المعلومات ليجرؤ على توقيف ميشال سماحة لو لم يصل النظام السوري إلى حالة من الضعف تمنعه من الانتقام؟ سؤال تسهل الإجابة عنه بكلمة لا، لا بل يمكن إضافة إجابة أخرى تضع ما حصل منذ اكتشاف عملية العبوات الناسفة في خانة الخيال لا الواقع.
وبالطبع لم يكُن الإعياء الشديد الذي ظهر على وجهي اللواء أشرف ريفي والعميد وسام الحسن مساء يوم التوقيف الطويل ناتجاً عن أيّ قلق، كان النوم قد غاب طوال اليومين اللذين سبقا التوقيف، حرصاً على إتمام العملية وفق الأصول، بعد أن سطّر المدعي العام مذكرة التوقيف، وكانت عناصر الملفّ قد اكتملت، ولم يبقَ إلّا تنفيذ التوقيف من دون أن تحصل أيّ مفاجآت أو تدخّلات سياسية قد تُعيق العملية، ذلك نظراً إلى أنّ القوى الحليفة لسماحة يمكن أن تقوم بخطوات غير محسوبة لمنع توقيفه، إذا تسرّبت أيّ معلومات قبل التنفيذ.
وكما كان متوقّعاً، وباستثناء القضاء وفرع المعلومات، لم يتسرّب خبر التوقيف إلّا بعد دقائق من اقتياد سماحة خارج منزله، وتولّى وزير الداخلية مروان شربل إعلام رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، كما عرف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي صُدم لثوان قبل أن يقرّر بعد ساعات أن يحتكم إلى اعتبار أنّ الملف أمني وقضائي في آن.
ليس سرّاً أنّه، وبعد ساعة من التوقيف، كانت كلّ المرجعيات في السلطة، قد فَعّلت قنوات الاتّصال والاستعلام، لمعرفة حقيقة الملف، ليس انتقاماً من سماحة من جهة، ولا حبّاً به من جهة ثانية، بل لاستبيان الطريق واختيار الموقف الذي يفترض اتّخاذه. رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون عرف من خلال وزير العدل مضمون الملف، ووزير الداخلية نقل لرئيس الجمهورية تفاصيل التحقيق والأدلة. أمّا حزب الله الذي لا يحتاج إلى ساعي بريد لكي يعرف، فإنّه صمت منذ اللحظة الأولى، الصمت نفسه الذي مارسه عند توقيف فايز كرم، وهو صمت له مدلولات كثيرة، لم يبدّدها الموقف المسائي للنائب محمد رعد، الذي أتى بطلب سوري، وبتأثير حملة شنّها اللواء جميل السيد وآخرون من حلفائه.
مع قضية سماحة كرّس فرع المعلومات الفتي، نفسه كجهاز أمني لا تشوب عمله الشبهات، هذا ما حقّقه في ملف الشبكات الإسرائيلية، وهذا أيضاً ما حقّقه في ملف فايز كرم. أمّا في هذا الملف، فلا بدّ من ملاحظة أنّ هذا الفرع قد حقّق النجاح الأكثر أهمية وخطورة في آن.
ومع التسليم بأنّ توقيف سماحة كان عملاً مُتقناً، إلى درجة أصيب معها بالإحراج جميع حلفائه، فإنّ تداعيات هذا التوقيف، لن تقتصر على مجرّد تسريع نقل الملف إلى المحكمة العسكرية، وعلى محاولة احتوائه وتخفيف المحاكمة، بل ربّما يذهب إلى حد التهديد المباشر لريفي والحسن تماماً كما حصل قبل أشهر حين سرّب فرع المعلومات حركة رصد منظّمة للرجلين في الأشرفية، بُغية إفهام مَن يحاول تخطيط عملية اغتيال بأنّه مرصود بدوره.
اليوم يكبر الخوف من فرع المعلومات كما يكبر الخوف عليه، لكن ما يحصّنه ليس فقط تراكم الإنجازات، وتراكم الصدقية والفعالية، بل نتائج ما قام به. فلو استطاع مخططو تفجير الشمال أن يحقّقوا هدفهم، لأدّى ذلك إلى حدوث فتنة كبرى ذات أبعاد طائفية، ولتحوّل الشمال منطلقاً لتصدير نظرية تحالف الأقليات بحماية النظام السوري، وهي النظرية التي باتت تعمل بأدوات إعلامية وسياسية وأمنية على السواء.
لكنّ إحباط خطّة الفتنة، أعطى دليلاً على عدم قدرة طرف كالنظام السوري على التحرّك بحرّية، وهذه هي إحدى الخلاصات المهمة التي بدأت تتكرّس كحقائق منذ نجاح فرع المعلومات في تفكيك شبكة "فتح الإسلام" بدءاً من عين علق وصولاً إلى نهر البارد.
وتكمن أهمية إحباط هذا المخطط، في الحرفية العالية التي اتّبعها فرع المعلومات في تكوين الملف والأدلة المصورة، هذه الأدلة ستكون التحدي الأساسي الذي سيسخّف كلّ المحاولات المتوقعة لاحتواء الملف، فأيّ قضاء يمكن أن يتجاهل الفيلم الموثق الذي يتكلّم على نفسه بنفسه: عن الأهداف والمحرضين وعن التفاصيل كاملة؟
ربما يجدر بمَن سيحاولون عبر القضاء تمييع هذا الملف، أن يعرفوا بأنّ سماحة قال أمام التحقيق: "لقد أخطأت"، وألّا يحاولوا "منتجة" الفيلم الموثّق بحيث تصبح العبوات هدايا للتوزيع على المحتاجين في الشهر الفضيل.