وأخيراً تمكن حزب الله (عبر الوصايتين السورية والإيرانية) من الاستيلاء على الحكومة. بانقلاب مشهود. وبتجاوز مسلح لنتائج الانتخابات الأخيرة. صار يملك الاكثرية: مثل طاقية الإخفاء: انتقل بشكل غير مرئي، ولو مدوياً، ونواب من الذين فازوا على لوائح 14 آذار، وبشعاراتها إلى حضن الحزب. يا هلا! يا هلا! (بالطريقة ذاتها انتقلت المقاومة الوطنية إلى حزب الله. يا هلا! يا هلا!). إنه الإسلوب المتوارث من العقول الإنقلابية العربية وغير العربية. عقل انقلابي مدجج بالأسلحة. لكن عقل سياسي هش. عقل سلطوي طاغٍ. وعقل "دولة" غائب! وكان اليهوذا الأكبر في عملية الانتقال التي دبرت في أروقة المخابرات الإيرانية والسورية (قبل الربيع العربي- ويا لحظهم التعيس!) هو نجيب ميقاتي. اللهوف إلى "الرئاسة الثالثة" الشغوف. المنتهز، المناسبات التي قفزّته من ضفة إلى ضفة. وكل عين ترف. ولا خجل. انه رئيس حكومة حزب الله الانقلابية. مبروك! ولكن، وللمنقلبات منقلباتها. وللانتهازية ما يبطلها. فالحكومة هذه لم تهنأ طويلاً.. فلباس وزرائها الأسود أو الرمادي الغامق ما ينسجم مع قمصان الغلمان السود الذي "استعرضوا" مقاوماتهم (بالجمع) تهديداً أو ترويعاً وتذكيراً بـ 7 أيار الصهيوني الملامح والأسلوب والشكل والعبرة. عال! حسابات البيدر لم تنطبق على حسابات الحقل (بما فيها مروج الحشيشة الخضراء في ظل عهد الحزب الإلهي. لا خدّر لهم ذهناً ولا حاسة، ولا ضميراً). اندلع الربيع العربي في رحاب "الخريف" الحكومي. توازياً وانفصما وانفصلا! هب الربيع. فسقطت أنظمة كأوراق الخريف في تونس ومصر وليبيا واليمن… ثم في "مربط خيل" الحزب اي سوريا!
رائع! انقلبت صورة المنقلب. وانعكست المرايا من وضّاحة صافية إلى مشوشة ومسوّدة (اللون الأسود يرافق الحزب). واهتز كل شيء. وحلّ "اليأس" المكابر محل "الأمل" الزاهر. انتهت الحكومة كما بدأت. تحولت بضعة وزراء بلا حكومة. وتحول رئيسها "ظلاً" بلا ظلال. بلا صوت. ولا حضور. ولا فاعلية. "وزير" أول بلا أولوية. أو الأحرى "وزير أول في المرتبة الأخيرة". ومن شدة جنوحها القانط. تصرفت كما يتصرف عادة ركاب سفينة تغرق: كل يأخذ ما تطاول يده ليقفز منها. وزراء فرادى إلى طاولة بلا قوائم. وكان عليهم أن يتهافتوا على "تنازع الأطماع، والخيرات والمشاريع والصفقات… بطريقة لم يشهد لبنان افسد منها، ضربوا الاقتصاد والسياحة والنمو والمشاريع وواجهوا بأسلوب بائس التحركات المطلبية والنقابية. نهبوا النور، فعمت العتمة بلا كهرباء. التهموا الينابيع فجفت المياه وانقطعت. تمرجلوا على الفقراء من مياومين وموظفين.. بكل جبن وإباء (وعند الجبناء إباء بجبن). لم يتركوا شيئاً إلاّ أعطبوه. حتى الانسانية والشعور بالمعنى الأدنى مع المنكوبين السوريين افتقدوها. بلا رؤوس ولا قلوب. انحازوا إلى جلاّدي النظام السوري، ووظفوا الأجهزة الدبلوماسية والأمنية والعسكرية للاعتداء على هؤلاء النازحين. تنازلوا عن أبسط متطلبات السيادة فسلموا حدودهم لشبيحة النظام، ينتهك يومياً ويعتدي على "ناسهم" واهلهم. (فأين شرف هؤلاء!) ووشى بعضهم بناشطين (يذكرونني بوشاة المتعاملين الفرنسيين مع النازية وبعملاء اسرائيل في لبنان وسواه وكل عميل واشٍ. أكثر ساعدوا على خطف بعض الكبار كشبلي العيسمي. أكثر: خنعوا أمام جريمة النظام السوري بخطف موظفين من الأمن العام… فأعادوهما بذل ومهانة وتواطؤ لا مثيل لها. آخر جرائم هذه الحكومة ما ارتكبه الأمن العام بتسليم 14 سورياً إلى نظام القتل. فيا لشيم "الحزب" المجسدة في شيم عباس ابراهيم وقبله جميل السيد فنجيب ميقاتي فجنرال المقاومة ميشال عون!
انها "حكومة حزب الله على صورته! على "صدقه" على عشقه "السيادة" على تماهيه "بالشعوب" (لماذا لا يتحالف حزب الله إلاّ مع الطغاة غريب! مع بتوع الحزب الواحد من إيران إلى روسيا إلى الصين فإلى سوريا! ألأن عقله ما زال في بدايات القرن العشرين مع طلوع نجوم الستالينية والنازية والصهيونية والفاشية.. والماوية وصولاً إلى صناديد الطغاة العرب، فوصولاً إلى ولاية الفقيه! غريب هذا الحزب، الذي قلما يمكن أن تصدق كلمة واحدة مما يقوله بعضهم.
هذا الحزب "بطل" 7 أيار وإحراق تلفزيون وجريدة "المستقبل" وبطل "العدوان" على "الجبل" وبطل بطولات قطع الطرقات، والهجوم على "نيو تي ي".. يدهشنا بخطابه الصدوق الورع المؤمن (كتبت مقالة قبل أكثر من عشر سنوات عنوانها "لماذا كل احزاب الله في لبنان من ميليشيات مسيحية وإسلامية هم ضد الله!" والذي يتقلب في خطابه من الأقصى إلى الأقصى، حتى ليعصى عليك تمييز ما قاله وما نسبه إلى نفسه وما نُسب إليه وما لم يقله وما صرح به، وما لم يصرح به.
قال السيد حسن نصرالله قبل أيام في خطابه الأخير "لو ملكت 14 آذار سلاحنا لهيمنت على الدولة". انه افتراض، قابل للأحذ والرد. ولكن نسي السيد حسن أن بعض مكونات 14 آذار كالكتائب والقوات والحزب التقدمي الاشتراكي و(المرابطون) كانوا يملكون السلاح: تقاسموا أسلحة الجيش عندما قسّموه، وتدفقت عليهم أسلحة كثيرة من الجوار المعروف والبعيد والقريب. وكان سلاحهم "الميليشيوي" وبالاً عليهم وعلى لبنان!
كان عندهم سلاح ثقيل ومتطور (كما مع سواهم من التنظيمات الفلسطينية والسورية والعراقية…) لكنهم وبعد اتفاق الطائف، القوا هذه الأسلحة وانضموا إلى الدولة! الحق معك يا سيد حسن: عندما كانت الأسلحة في حوزة "هؤلاء وسواهم تفككت الدولة… وسادت الكانتونات بحراسة جهات خارجية كالنظام السوري… والعراقي والاسرائيلي والليبي! فكل سلاح حمله اللبنانيون في الحرب 1969 1990 كان خارجياً، حوّل البلاد إلى محميات للطغاة… للقتلة! معك حق ان سلاح الميليشيات عندما يتفوق على سلاح الدولة، يهيمن عليه. أو ليس هذا ما حصل على امتداد عقود؟ وعندما تقول يا سيد حسن "كان لنا ان نحكم البلد في 7 أيار إلا اننا لم نفعل". صحيح هذا الكلام. لأنك بكل بساطة تقتني سلاحاً يفوق ما تقتنيه الدولة. ولأن الآخرين الذين حملوا السلاح وقضوا على الدولة… سلموا هذه الأخيرة سلاحهم وبات حزبك وحده الذي يمتلك السلاح باسم المقاومة (وهم أيضاً سموا أنفسهم مقاومات وأظن انه لم تظهر مقاومات في العالم كله بالكمية التي شهدناها في هذا الوطن الصغير). وكل الخراب الذي أصابنا من يافطات هذه "المقاومات" الالهية التي قدست "نفسها" لتستبيح شعبها وتقسم أرضها وترتهن السيادة. ونتذكر هنا منظمة التحرير كيف بدأت شعبية وكيف انتهت واهنة، مشرذمة، لأنها بكل بساطة ساوت أحياناً بين مقاومة العدو.. ومقاومة الدولة والجيش والمواطنين في حروب ظاهرها طائفي وباطنها… تغيير النظام. وهنا بالذات الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه القوى الوطنية عندما أرادت ان تقلب النظام بالقوة وبسلاح المقاومة الفلسطينية. (فيا للمشابهة). أكثر.: وعندما كان الكثيرون ينادون بضبط السلاح الفلسطيني والميليشيوي أو بتوجيهه لمقاومة العدو… كانت تهدر الأصوات "يريدون انتزاع سلاح المقاومة خدمة لاسرائيل". (الإسطوانة ذاتها اليوم: والشعار المشترك "خدمة لاسرائيل") ولهذا ولأسباب أخرى، (ومنها انشاء مقاومات موازية بمساعدة سوريا في المناطق التي كانت تسمى "شرقية") باتت المقاومات عموماً أدوات تقسيم. (ما عدا المقاومة الوطنية المؤلفة من الحزب القومي السوري الاجتماعي، والحزب الشيوعي، ومنظمة العمل الشيوعي) وقد غدر بهذه المقاومة بعض من نعرفهم… لا سيما المرتبطين بإيران وسوريا… ليقضوا عليها، ويُحلوا "المقاومة الإسلامية (الشيعية) محلها! مقاومة تنقلب على مقاومة. وهكذا دواليك. بإذنه تعالى وانتقل قرار الحرب والسلم في الجنوب من أيدي المحور "العربي" العلماني الخارجي إلى المحور الإيراني السوري، الخارجي. انقلبت أوراق على أوراق وبين كل مقاومة وطنية أو شعبية أو لبنانية وأخرى خراب، وتقسيم ومجازر وهيمنة وإدامة للوصايات (حزب الله ساعد على ادامة الوصاية السورية والإيرانية في لبنان. وهما ايضاً أدامتا تفوقه. كانت حرب وصايات إذاَ. واحتلالات، إذاّ، اول المستفيدين منها كانت إسرائيل التي استباحت لبنان في عز وجود كل هذه المقاومات والأنظمة! وكأن أول المتضررين لبنان ودولته ووحدته وسيادته وشعبه. فالوصاية يا سيد حسن تعني الوصاية. وبكل بساطة، تعني مصادرة البلد. والقرارات الكبرى والاستقلال والاقتصاد فالدولة ضربت، وترنحت وسقطت بفضل حروب الوصايات عبر "الميليشيات" "المقاومة". وسقط الجيش أيضاً، والقوى الأمنية. والإدارات. وعَامَ الجنرال عون على هذه المتساقطات. وكذلك ما تبقى من قوى أمر واقع. وهذا بالذات ما يمكن تفسيره في قول السيد حسن "ما يمنع قيام الدولة علاقة 14 آذار بالطائفية والفساد السياسي والمالي والإداري" أفّ رائع! يعني لو سمعنا هذا الكلام من تروتسكي لقلنا ايه والله! يا لهؤلاء الطائفيين المذهبيين. ولو سمعنا من جبران خليل جبران لرددنا القول ذاته. ولو سعمنا من احمد فارس الشدياق لقلنا له عافاك يا أحمد فارس الشدياق… ولكن انسمعه من حزب يعلن انتماءه إلى ولاية الفقيه ويتزعم الطائفة الشيعية ويلعب على أوتارها، ويحاول استغلالها لتأصيل نفوذه في الدولة… فهذا مثير للسخرية.
لم اعرف حتى اليوم ان حزب الله الذي انشئ بقرار رسمي في طهران، قام على أفكار ماركسية أو ليبرالية، أو يسارية (لم أسمع كلمة ديموقراطية مرة واحدة تصدر عن مرجع واحد من حزب الله! وأتمنى ان اكون مخطئاً) 14 آذار طائفية وتهدد الدولة بطائفيتها (ومن دون سلاح تأملوا) وحزب الله و 8 آذار "علمانية" تسعى إلى قيام دولة مدنية تفصل فيها الدين عن الدولة، وتضع قانون انتخابات نيابية يفوح بعطور جنات العلمانية. رائع! اما الكلام عن الفساد السياسي والمالي والإداري، فهذه يا سيد حسن اسطوانة "خاصة" بجنرال المقاومة ميشال عون (العميل السابق لإسرائيل كما كنتم تتهمونه مع حلفائكم) الذي لم تشهد أي حكومة في تاريخ لبنان افسد من وزرائه! وانت ادرى يا سيد حسن، وعندك الخبر اليقين، اما الفساد السياسي فواضح في الطريقة التي قلبتم فيها الأكثرية: أو ليس هذا أكثر من فساد، والفساد السياسي يا سيد حسن أن يكون الحزب برمته "جهازاً" ايرانياً أو كياناً خارجياً مع هامش مناورة صغير، نتمنى ان يتسع. فأي فساد أخطر من أن يكون حزب ما، مؤسساً وممولاً وموجهاً من دولة خارجية: أو ليست هذه مصيبتنا يا سيد حسن، وسر فساد السياسة اللبنانية منذ القرن التاسع عشر في لبنان حيث كان لكل طائفة مربط خيل أو حمار في دولة استعمارية؟ اما الكلام المنسوب إلى الحاج حسن الذي يتساءل فيه "كيف تفسرون لنا التحريض على الجيش والأمن العام والحكومة! أف! أف! وكأن الحاج حسن نسي مطالبة الأمين العام للحزب بوضع "خطوط حمر للجيش" في معركة نهر البارد "نهر البارد خط أحمر" ونسي الحاج حسن من قتل الضابط سامر حنا في سجد ونسي ان الخلاف الأساسي بين 14 و8 آذار يتصل بدور الجيش: تكون المقاومة ضمن الجيش، أم الجيش ضمن المقاومة! أما كلام الحاج حسن عن التحريض على الحكومة.. وهل تسمي هذه حكومة يا حاح حسن فيا ليته يستعيد التصريحات النارية المخونة والمهددة والموجهة إلى حكومات السنيورة وسعد الحريري. ويتذكر من حاصر السرايا… وعطل مجلس النواب، واستقال من الحكومة… رائع! يا سيد حسن. ونظن ان الحاج حسن يعرف ان هذه الحكومة باقية لسبب واحد: ان تستمر في عمالتها للنظام في سوريا! على الرغم من فضائحها وفسادها، وسرقاتها ونهبها وتنازلها عن السيادة.. مما اتاح للأمن العام ان يسلم 14 سورياً لنظام الإجرام، وان يسكت ويكم فمه على خطف شبيحة البعث عنصرين من عناصره! ولا نظن ان 14 آذار هي التي هرَّبت صاحب "مصنع المخدرات" في الضاحية. ولا هي شجعت صلاح عز الدين (مادوف لبنان) على استغلال اهل الجنوب الفقراء وابتزازهم والاحتيال عليهم. ولا هي ضربت الاقتصاد. اما نواف الموسوي فصرخ كعادته "على الذين يراهنون على الخارح ان يخرجوا من رهاناتهم". رائع! نوافقك مئة بالمئة. لكن قل لنا يا موسوي: أين تأسس حزب الله ومن اتخذ قرار تأسيسه: الداخل اللبناني أم الخارج؟ وقل لنا ألا تراهنون انتم (كما فعلتم على امتداد ثلاثة عقود) على الوصايتين السورية والإيرانية! ولماذا يُروعكم اليوم سقوط النظام البعثي: أوليس غريباً أيها الأخ نواف أن تطالبوا باستئصال البعث العراقي (السني)، وتؤيدوا البعث السوري! والله شيء غريب، هل تتذكر كيف رحب الحزب بثورتي تونس ومصر.. وليبيا ثم بات يردد مع بعض حلفائه "الربيع العربي جحيم" (ميشال عون) بعد وصولها إلى سوريا؟ واخبرونا: لماذا تؤيدون حركة الشباب البحريني، وتدينون يومياً ممارسات النظام. لماذا. لأنكم شوهتم صورة المعارضة الشاملة هناك بوصمها بالطائفية. والنظام البحريني (ونحن لسنا مع ممارساته)، هل فعل بشعبه ما فعله خامنئي والنظام السوري: مفضوحة! أكثر: وما علاقتهم بالحوثيين؟ أأصول مذهبية أيضاً، لتجعلوا منهم جيباً تقسيمياً في اليمن. اما طاولة الحوار "فحديث خرافة".. وكأنها كسابقاتها قد تكون "تمويهاً" لاستعداد لمغامرة تعود علينا بالخراب العميم، الخراب الذي يُسمى أحياناً "نصراً الهياً". وتتويجاًَ انقلاب "قانوني" تمثل بقانون انتخايات اقرته حكومة اللاحكومة، وحكومة الفاشلين، هذا القانون كما قدم ليس أكثر من بروه انقلابية جديدة… من داحل "الديموقراطية" و"الدستور" .. قانون صُنع في الخارج، وعلى مقاس الحزب، وهو مقاس أكبر من مقاس! فأبشروا.