كتب محمد مشموشي في "المستقبل":
لم تتوقف طيلة الشهور الماضية، ولن تتوقف في المستقبل من دون شك، محاولات النظام السوري تصدير أزمته الى لبنان.
لكن الجديد في الأيام الأخيرة، وبانتظار نتائج التحقيقات التي تجري مع الوزير السابق ميشال سماحة وما قد تكشف عنه من أسرار، أن الأطراف اللبنانية المحسوبة سياسيا على هذا النظام رفضت، أقله حتى الآن، أن تشارك حليفها السوري لعبته المفضوحة هذه، وأن تتورط تاليا في أعمال يكون من شأنها أن تزج البلد واذا الأطراف نفسها في حرب أهلية أو مذهبية لا يعرف أحد كيف تتطور ولا كيف تنتهي.
في الوقت ذاته، كانت القوى الاستقلالية تدرك جيدا حقيقة نوايا النظام السوري، ولذلك فانها حافظت برغم بعض التجاوزات على حد من الهدوء بهدف احتواء الموقف، خاصة في مواجهة تدفق النازحين السوريين الى لبنان وما كانت القوات المسلحة السورية تقوم به من اعتداءات يومية على قرى عكار والبقاع وراشيا وبعلبك الهرمل.
ولعله لهذا السبب بالذات، قرر النظام السوري أن ينزل بنفسه الى الساحة، وبعدته الخاصة والمباشرة هذه المرة، للقيام بما حاول القيام به دائما لكن من دون نتيجة.
من هنا، ليس مهما كثيرا اعتقال "المستشار الرئاسي السوري" (التعبير الأثير لدى سماحة عن نفسه) بتهمة تنفيذ أوامر أسياده في دمشق، بقدر ما هو مهم الكشف، بالوثائق والتسجيلات والبينات والاعترافات، عن طبيعة هذه الأوامر وحقيقة الأهداف التي يبغي "الأسياد" تحقيقها من ورائها سواء في سوريا أو في لبنان. كما ليس مهما كثيرا من يكون المستهدفون بعمله هذا بأشخاصهم وهوياتهم وانتماءاتهم السياسية والطائفية، بقدر ما هي مهمة اماطة اللثام عن النوايا الفعلية للنظام السوري تجاه اللبنانيين على اختلافهم، واستعداده، كما قال بشار الأسد وأعوانه تكرارا، لتدمير كل ما يقف في طريقه من أجل البقاء في السلطة في سوريا من جهة والتحكم بلبنان من جهة ثانية.
ألم يهدد بذلك الرئيس الشهيد رفيق الحريري في آخر لقاء بينهما قبل التمديد القسري لحليفه اميل لحود في العام 2004؟، وألم يوجه رسالتين مماثلتين، وبالعبارات ذاتها، الى الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط؟.
المهم هو انكشاف واقع هذا النظام منذ تسلمه الحكم في بلاده قبل أربعة عقود، وممارساته الأمنية ليس في سوريا فقط وانما في لبنان أيضا (فضلا عن فلسطين والعراق والأردن وتركيا)، وحتى في تعامله مع من يعتبرهم "أصدقاء" وحلفاء له هنا وهناك، باعتباره نظاما مخربا يمتزج فيه السياسي بالأمني، والايديولوجي بالتخريبي، والاستراتيجي بالتكتيكي، الى حد أنه يكل الى من يصفه بمستشار الرئاسة السياسي وظيفة نقل وزرع متفجرات وعبوات ناسفة بين الناس الآمنين… وحتى بين الدول والطوائف والمذاهب.
وفي هذا السياق، فما شهده لبنان في الشهور الـ17 الماضية، عمر الثورة السورية، بدءا من التظاهرات الحزبية المؤيدة للنظام في مواجهة التظاهرات الشعبية الداعمة للثورة، والاشتباكات المفتعلة في طرابلس بين جبل محسن والتبانة، واعتقال شادي المولوي في المدينة نفسها بالطريقة المعروفة، ثم اغتيال الشيخ أحمد عبد الواحد ورفيقه في الكويخات في عكار، وسلسلة التعديات على قرى عكار والبقاع وراشيا وقتل العديد من أبنائها، والتوغلات شبه اليومية للقوات السورية داخل الأراضي اللبنانية، والأحداث المفاجئة في المخيمات الفلسطينية في عين الحلوة ونهر البارد، وصولا الى المناشير التحريضية يوزعها عملاء للنظام في مناطق حساسة طائفيا ومذهبيا، ومحاولات الاغتيال والتهديدات بالاغتيال ضد بعض الرموز في بعض الطوائف الخ… كل ذلك لم يكن سوى فصول في خطة متكاملة تحدث عنها النظام نفسه منذ البداية ووضع لها عناوين مثل "زلزال مدمر" و"حروب أهلية" وحتى "حروب اقليمية" لن يمكن أحدا في المنطقة أن ينجو منها في ما لو سقط نظام بشار الأسد أو بدا أنه مهدد بالسقوط.
ولم يسقط النظام بعد، لكن الخناق الذي يضيق حول عنقه ويجعله في حكم الساقط سياسيا وأخلاقيا ومعنويا من جهة، وعربيا ودوليا من جهة ثانية، والعزلة الكونية (يسميها وزير خارجيته وليد المعلم حربا كونية) شبه الكاملة والعقوبات المفروضة عليه من جهة ثالثة، انما يفقدانه بقية عقله. ولذلك، فلم تعد لديه الا ورقة "علي وعلى اعدائي" المعروفة… ان في سوريا حيث يشن حرب ابادة للشعب وتدمير للمدن والبلدات عن آخرها، أو في لبنان حيث يعاود لعبته القديمة من أجل اعادته الى حرب أهلية ومذهبية يتوهم كما في السابق أنه يستطيع أن يساوم العالم والعرب واللبنانيين عليها.
للمناسبة: اشتاق السوريون، ومعهم اللبنانيون طبعا، الى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي كان يطلع عليهم بتصريحات يومية عن قوة النظام السوري وتأييد ما يزيد على نصف الشعب له. هل غير رأيه، أم أنه نزل بدوره الى الساحة، مثله مثل ميشال سماحة، أم أنه ترك المهمة لزميله أمين عام مجلس الأمن القومي الايراني سعيد جليلي يتجول بين بيروت ودمشق وبغداد لتجميع بقايا أسمال ما يعرف بعلم "المقاومة والممانعة"؟.
أيا تكن الحال، فلا حاجة الى تكرار القول أن محاولات النظام السوري لتصدير أزمته الداخلية الى لبنان، وربما الى الأردن وتركيا والعراق وفلسطين أيضا، لن تتوقف. ومن يصل الى حد تكليف من يصفه بأنه "مفكر ومثقف ومستشار سياسي" بمهمة نقل وتوزيع عبوات ناسفة، لا يتورع عمليا عن فعل أي شيء من أجل تحقيق مبتغاه.
هل تذكرون ماذا فعل هذا النظام برئيس حكومة (رياض حجاب) قيل انها جاءت بعد اصلاحات وانتخابات تشريعية، ثم ألصق بها مباشرة بعد تشكيلها صفة أنها "حكومة حرب"، وطالبها بأن تتحمل مسؤولية حملة ابادة جماعية ضد الشعب؟.