"الجمهورية": أكثر من "سماحة" قيد الانكشاف
كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية":
من قواعد العمل الاستخباري: "غلطتُك الأولى هي الأخيرة … والأموات وحدهم لا يتكلّمون". وهذه القاعدة تنطبق على "غلطة" الوزير السابق ميشال سماحة، التي أوقعته في فخِّ فرع المعلومات. فبعدها سيكون الآتي أعظم. إنّها المقدمة. وأمّا التفاصيل فعلى الطريق…
ليس سماحة رجُلَ الأسد الوحيد في لبنان. فكثيرون من الذين يدافعون عنه مرشحون ليكونوا جزءاً من "العصابة المسلّحة"، كما وصفها القاضي سامي صادر. ومن هنا مسارعة "حزب الله" إلى التراجع عن تهديد النائب محمد رعد بـ"أنّنا لن نسكت". فالغلط في هذه النقطة ممنوع… بل هو مصيري، ولا يمكن تصحيحه.
لكن هناك قوى وشخصيات لبنانية لصيقة بالنظام السوري، بقدر التصاق سماحة وربما أكثر، وهي تلتزم الصمت منذ اللحظة الأولى. وفي التفسير الأمني، قد تكون رؤوس من "العصابة" تختبئ لعل العاصفة تمرّ من دون أن تكشفها وتقتلعها. لكنّ مجريات التحقيق مع سماحة والتوسّع فيه ستضيء على أدوار مماثلة قام بها "رفاق لسماحة" في السياسة والأمن وما شابه، في مراحل سابقة أو تحضيراً لمرحلة آتية. وبعض هؤلاء معروف أساساً بأنّه وصل إلى السياسة عن طريق الأمن، أو للمكافأة على دوره الأمني.
والبعض الآخر بدأ سياسيّاً لكنّه ربما انتهى في الأمن، على طريقة ميشال سماحة. ولذلك، ستكرّ السبحة ليسقط آخرون في قبضة فرع المعلومات. ومن هنا استِقْتالُ فريق سماحة لنقل الملف من يد المعلومات.
وفي القراءة الأمنية أيضاً، من الممكن أن يغيب بعض المعنيين عن المسرح في المرحلة المقبلة، بناءً على طلب من مرجعيتهم الإقليمية، تجنباً لانزلاق في التحقيق يؤدّي إلى وقوع حجر آخر أو أكثر من "الدومينو" في قبضة المعلومات. وقد لا تتحمّل منظومة الأسد في لبنان أكثر من ميشال سماحة واحد لتسقط، فكيف إذا انزلق منها آخرون أيضاً؟
وإذا كان التحقيق مع سماحة يقود إلى واحد أو أكثر من رفاقه، فإنّ التحقيق مع هؤلاء سيقود إلى توقيف العشرات على الأرجح. وسيعني ذلك انهيار الماكينة الأمنية – السياسية – الإعلامية المتجذّرة عبر عشرات السنين، والتي أدّى العشرات من أدواتها أدوارهم في أشكال شبه مفضوحة، لأنّهم لم يتوقّعوا أن يصل النظام الفولاذي الذي اعتمدوا عليه إلى هذا المصير… في سوريا ولبنان. ويأتي تشابه العبوات اللاصقة بين ملف سماحة وملفات الشهيدين جورج حاوي وسمير قصير والزميلة مي الشدياق ليدعم الترابط بين الملفات وإثبات مرجعية الجناة فيها جميعاً.
ماذا سيفعل عون؟
ماذا سيفعل، بعد اليوم، العماد ميشال عون بعد صمته الثقيل، هو وأركانه أصحاب الرؤوس الحامية؟ وماذا سيفعل حلفاؤه المسيحيون، الأقوياء منهم والصغار؟ وماذا سيقولون في بكركي أمام كرسي الاعتراف لسيّدها المذهول بكرسي اعتراف سماحة في فرع المعلومات؟
وما هي الأسماء التالية بعد سماحة، بعدما بات الاختباء صعباً؟ فالبقاء في متناول العدالة قد يعرّض أصحاب هذه الأسماء لخطر الوقوع في قبضة الأمن، وهذه مصيبة.
وأمّا الاختفاء عن الساحة فسيكون أشدّ خطراً لأنّه سيؤدّي إلى إثبات الشبهة أو التهمة، وهنا المصيبة أعظم. ويعاني "حزب الله" الكثير لمنع مثول أربعة من المتهمين أمام المحكمة الدولية، ومنع استجواب خامسٍ في ملف محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، فكيف سيكون الأمر إذا ما اقتضت مصلحة النظام السوري إخفاء سياسيين من حجم ميشال سماحة أو أقلّ أو أكبر.
أزمة النظام السوري أنّ ملف سماحة "موثّق ومبكّل"، وبالصوت والصورة، وإلّا لكان التشكيك ممكناً، ولكانت الإطارات المشتعلة تقطع شوارع بيروت، و7 أيّار تتكرّر!
لذلك، فإنّ ملف سماحة سيكون من علامات الانهيار الكامل لمنظومة الأسد في لبنان… وفي سوريا. إنّه في مدلولاته أكبر من كل الاغتيالات ومحاولات الاغتيال والاعتداءات والحروب التي جرت على مدى سبع سنوات عجاف.
إنّه الشق اللبناني الأول في زمن انشقاقات آتية، سوريّاً ولبنانياً. فمَن يتدارك نفسه ورأسه؟ هناك كثيرون دخلوا مرحلة تأمُّل عميق.
توقيف سماحة يُدخل قوى 8 آذار في دائرة الخوف
كتب الان سركيس في صحيفة "الجمهورية":
ظنّ البعض أنه استثناء في التصرّف حيال النظام السوري عندما طلب رئيس الجمهورية ميشال سليمان من وزير الخارجية عدنان منصور استدعاء السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي وإبلاغه رسالة احتجاج على الخروق السورية، ليتبيّن لاحقاً أنّ الرئيس أعطى الضوء الأخضر للحزم تجاه تصرفات النظام السوري بعد توقيف الوزير السابق ميشال سماحة.
ليست صدفة أن يُعطي سليمان الغطاء السياسي للمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي ورئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن، فهذه الخطوة لها مدلولات سياسيّة كبيرة، خصوصاً بعد الاتهامات بالجملة التي يوجّهها حلفاء النظام السوري في لبنان من "تورّط فرع المعلومات في الأزمة السورية ودعمه للثورة".
ترى جهات في 8 آذار أن "سليمان من خلال غطائه هذا، ودعمه لعملية اعتقال سماحة، دخلَ بشكل مباشر في الحرب ضدّ سوريا، خصوصاً بعد الادعاء على اللواء علي مملوك الى جانب ضابط سوري آخر بنقل متفجرات بواسطة سيارة سماحة، في وقت كانت تنتظر قوى 8 آذار من سليمان أن يخرج بموقف الحدّ الأدنى حيال القضية، وهو أن يقول إن النظام السوري لا يقوم بتلك الأعمال التي من شأنها زعزعة استقرار لبنان، أو على الأقل أن يقول: إذا ثبت فعلاً ما يُشاع عن تورّط شخصيات أمنية سورية في ما كان يُحضّر، فإنهم قاموا بهذه الأعمال بصفة فرديّة والاتهام يوجّه إليهم وليس الى النظام السوري".
وتعتبر أوساط 8 آذار أن "مواقف سليمان الأخيرة هي بمثابة تقديم أوراق اعتماد الى الولايات المتحدة الأميركية والدول العربية من أجل السعي الى التمديد، حيث أن التمديد يمرّ على جثة النظام السوري، وارتفاع أو انخفاض حظوظه يتأثّر ببورصة المواقف من النظام السوري، فسليمان الذي حافظ على مواقف معتدلة منذ تسلّمه الحكم وطيلة الأزمة السوريّة، بدأ يأخذ مواقف مناقضة لسياسته المتبعة مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية الذي يبدو مصمّماً على خوضها بواسطة مقربين منه، ومع بدء العدّ العكسي لنهاية ولايته الرئاسيّة".
ترفض أوساط مقرّبة من رئيس الجمهورية التعليق على هذا الكلام لأن مواقف الرئيس غير مرتبطة بالاستحقاقات الآنية أو بأي مصلحة شخصية، فموقفه من قضية سماحة هو الموقف الصحيح الذي يجب أن يأخذه رجل الدولة، خصوصاً بعدما أصبح الملف في عهدة القضاء اللبناني الذي يتصرّف بمهنية تامة وبشكل دقيق مع القضية، وسط ما يُحكى عن أدلة دامغة تؤكد تورّط سماحة في مخطّط تفجيري يُشعل نار الفتنة ويدخل البلاد في صراع طائفي، كما أن للرئيس ثقة كاملة بعمل الأجهزة الأمنية ويرفض كل حديث عن التشكيك بدورها أو دخولها في مؤامرات".
لا شكّ في أن توقيف سماحة شكّل نقطة مفصلية في علاقة لبنان مع النظام السوري، فإقدام الأجهزة الأمنية على توقيفه أمر كبير، لكنّ الأمر الأكبر هو أن يقوم القضاء اللبناني بالادعاء على مملوك، ما يعني أنّ الأجهزة اللبنانية أفلتت من رهبة المخابرات السورية التي عملت على تطويعها طيلة عهد الوصاية.
فقضية سماحة لها مدلولات أبعد من التمديد لسليمان أو أي علاقة باستحقاقات داخلية، وسط صمت رهيب من حلفائه الذين يدلون بتصريحات خجولة ومهذّبة، كان أقواها التصريح اليتيم لرئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد، ما يدلّ على أن النظام السوري تخلّى عن رجله المهمّ في لبنان، وهذا ما يُدخل قوى 8 آذار في دائرة الخوف على المصير، وتنتظر مجيء دورها ليتخلّى النظام السوري عنها، بعد أن خسر هيبته وجزءاً من أراضيه، وبالطبع فهو لن يسأل عن حلفائه في لبنان.
عدم تورّط "حزب الله" لا يعني تبرئته
كتب شارل جبور في صحيفة "الجمهورية":
بعد انكشاف المخطط التفجيري المكلّف تنفيذه ميشال سماحة ساد توجّه داخل البيئة الـ 14 آذارية مفاده أنّ استخدام النظام السوري أشخاصاً غير "مهنيين" مردّه إلى نأي "حزب الله بنفسه عن هذه الأعمال، ما اضطر هذا النظام إلى الدخول مباشرة على الخط.
ويعتبر أصحاب هذا التوجّه أنّ أجندة الحزب اختلفت عن أجندة النظام الذي يريد إشعال الحرب الأهلية عبر افتعال حوادث أمنية وإلصاقها بالإسلاميين بهدف إظهار أنّ الأزمة القائمة في سوريا هي نفسها في لبنان وعائدة بشكل أساسي إلى رفض المكوّن السنّي التعايش مع المكوّنات الأخرى واستخدامه الوسائل الإرهابية نفسها في دمشق وبيروت، وذلك تبريراً لمكنة القتل وتحويراً ولو جزئيا للأنظار عن الحرب الدائرة في سوريا.
ويرى هؤلاء أيضا أنّ الأحداث الممتدة من شادي المولوي في طرابلس إلى الشيخ عبد الواحد في عكار وصولاً إلى المنشورات المدسوسة في الكنائس التي كانت وظيفتها التمهيد لعبوات سماحة تندرج في سياق وضع الإسلاميين في مواجهة مع الجيش اللبناني والمسيحيين لشل هذا الجيش وتعطيله وإعادة البلاد إلى مناخات الحرب الأهلية وتفريغ المنطقة الشمالية في إطار محاولة البحث اليائسة عن دولة علوية بديلة بعد سقوط النظام يشكّل الشمال اللبناني تهديداً لها.
ويقول أصحاب التوجه نفسه إنّ هذا الوضع سيقود تلقائياً إلى تعبئة غير مسبوقة داخل البيئة السنّية، وهذه التعبئة التي كان أحد أبرز فصولها ما حصل من أحداث في الشمال ستقود إلى توترات طائفية في لبنان يكون "حزب الله" أوّل المتضرّرين منها كونه يدرك تماماً أنّ المناخ المذهبي المحتقن يؤدي إلى خنقه ومحاصرته وتكبيله، خصوصاً أنّه يترافق مع الصعود الإسلامي على مستوى المنطقة، وقد جاء اختطاف مواطنين شيعة في دمشق زائد ما يتعرّضون له في الخليج ليضع الحزب في موقع المتّهم من قبل طائفته بأنّ سياساته تعرّض هذه الطائفة للمهالك. ويبقى أنّ من الأمثلة المعبرة لرفض الحزب الانجرار إلى أيّ مواجهة مذهبية نأيه بنفسه عن كلّ ما يتصل بالشيخ أحمد الأسير وإقفاله الطريق التي تشكل تهديداً لوجوده.
فالاختلاف بين النظام والحزب بهذا المعنى يصحّ وصفه بالاستراتيجي، إذ في حين هدف الأوّل تسخين المناخات المذهبية والطائفية خدمة لمآربه، فإنّ هدف الثاني تبريد هذه المناخات خدمة لمصالحه، وبالتالي بين السعي السوري إلى تفجير الساحة اللبنانية وسعي الحزب إلى احتواء التفجير كونه يفقده أيضا القدرة على مواصلة إمساكه بمفاصل السلطة، وجد النظام نفسه أمام الحائط المسدود في اضطراره إلى الاتّكال على أدواته تحقيقاً لأهدافه، هذه الأدوات التي برهنت عن عدم خبرة وفعالية.
ويتابع أصحاب هذا التوجّه: إنّ من أخطاء النظام، لحسن حظ اللبنانيين، أنّه حصر كل الإمكانات بـ"حزب الله" من منطلق الاستراتيجية المشتركة التي تجمع مكوّنات محور الممانعة، إذ لم يتوقّع أن تختلف هذه الاستراتيجية في لبنان، فيما هي بالتأكيد متفقة على دعمه حتى النهاية في معركته داخل سوريا وتوفير كلّ مستلزمات نجاحه في هذه المعركة.
وعليه، قد تكون وجهة نظر أصحاب هذا التوجّه صحيحة، ولكن على صحتها نظراً لارتباطها بأوضاع مصلحية، لا يعني تبرئة "حزب الله" وتبييض صفحته وإعفاءه من مسؤولية اتهام المحكمة الدولية أربعة عناصر قيادية من حزبه باغتيال الرئيس رفيق الحريري وجرائم أخرى تبيّن ترابطها مع هذا الاغتيال، ورفضه تسليم هؤلاء العناصر واعتبارهم من فئة القديسين، فضلا عن أحداث 7 أيار وتعطيله حكومات الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري وصولاً إلى إسقاط الأخيرة وتشكيل بديلة تأتمر بأوامره والقائمة تطول.
تميل الذاكرة الشعبية غالبا في اتّجاه المسامحة والنسيان، وهذا خطأ في حال عدم ترابطه مع اعتذار أو أقلّه تغيير في السلوك والمسار، وهذا ما لا ينطبق على أداء الحزب الحالي الذي ما زال يتمسّك بسلاحه وبوظيفته الإقليمية ويرفض إعادة تقييم دوره ربطاً بالثورات العربية وتطوّرات الأزمة السورية وحرص معظم اللبنانيين على مشروع الدولة وحصرية السلاح داخلها.