#dfp #adsense

“الجمهورية” في مخيّمات النازحين السوريّين في تركيا

حجم الخط

كتب مصباح العلي في صحيفة "الجمهورية":

النازحون السوريّون في تركيا غالبيتهم من حلب. المعضلة التي تشغل بال حكومة أردوغان إلى جانب التطوّرات الميدانية على الضفة الأخرى من جنوب حدودهم حيث مدينة حلب الفاصلة والتي تُحدّد، بنظر تركيا، مسار الأزمة السورية بالكامل.

في الداخل التركي هناك مَن يتبرّم بالنازحين السوريين، وصحف المعارضة التركية مليئة بالمقالات المنتقدة لأردوغان على حمل هذا الملف الملتهب دون سائر الراعين للثورة السورية على غرار قطر والسعودية وحتى الدول المحيطة بسوريا مثل لبنان والأردن والعراق.

حتى هناك بعض المعطيات من داخل الحكومة التركية تفيد عن قرار اتّخذه أردوغان يقضي بنقل المعارضين السوريين من إسطنبول إلى الجنوب في محيط مدينة أنطاكيا كمرحلة أولى، قبل أن تُحقّق معركة حلب الهدف التركي الأول وهو التماس المباشر بين الداخل والخارج عند المعارضين ممّا يعني إقفال ملف النازحين السوريين.

ليس هناك من إحصائيات دقيقة لعدد النازحين إلى تركيا سوى ما يتردّد عن وجود أكثر من مئة ألف نازح منذ بداية الأحداث، وقد جرى استيعاب قسم منهم في مخيمات نزوح في الشمال فيما فضّل المحظوظون والقيادات المعارضة التوجّه إلى إسطنبول حيث العيش في شقق سكنية أنيقة والتنعّم بالتسهيلات الهائلة للمواطنين السوريين التي حرصت الحكومة على منحها منذ البداية، وقد أصبح مثل تركي يتحدّث عن سائق تاكسي يسعد بوجود راكب سوري في حال مواجهة شرطة المرور لأنّه من الطبيعي لن يحصل على محضر ضبط.

عضو المجلس الوطني نوّاف البشير أفاد لـ"الجمهورية" أنّ السلطات التركية قدّمت كلّ التسهيلات للمواطنين السوريين، ومنحت بعض المعارضين جوازات سفر تركية، وتجاوزت عن عدم حيازة سوريين أوراقاً ثبوتية، وأمّنت لهم المسكن والملبس والطبابة والمعيشة لأجل رابط الدين والإنسانية، في حين كان بعض الدول العربية متردّداً في هذا الشأن.

وفي المقابل، هناك أكثر من طرف في المعارضة أشار إلى تبدّل في المعاملة منذ نحو ثلاثة اشهر نتيجة سوء تقدير الجانب التركي لأمد الأزمة. من هنا، كان القرار التركي بنقل معظم القيادات إلى الجنوب أي إلى مخيّمات اللاجئين وهي تعبير حقيقي للنزوح، ومن الصعب على من تنعّم في شقة ضمن بناء أنيق في وسط إسطنبول أن يمكث مع عائلته في خيمة.

بلغ عدد المخيّمات حتى الساعة خمسة مخيّمات غير مخيم الضبّاط في بوكشين المخصّص حصراً لضباط الجيش السوري الحر مع عائلاتهم. والمخيّمات هي:

أورفة – كلاس – يرداغي 1 – يرداغي 2 – الإصلاحية. وهي تتوزّع في منطقة ريفية حيث تضمّ خيماً تُخصّص لكل خيمة مواد للطبخ والنوم فضلاً عن البنى التحتية.

جميل، وهو احد النازحين الأوائل الذين غادروا سوريا، يُعدّ مثالاً واضحاً لأوضاع النازحين في المخيّمات، أسعفه الحظ كونه يجيد التركية بسبب أصوله التركمانية، يعيش الآن في مخيم أورفة مع زوجته وأولاده الأربعة في ظروف معيشية صعبة رغم المسحة الإنسانية التي تتعامل بها السلطات التركية مع النازحين.

أكثر ما يشتكي منه جميل الآن هو شعوره بالغبن جرّاء سكنه في خيمة من قماش على غرار ما حصل مع اللاجئين الفلسطينيين، وهو الذي كان يملك منزلاً وسط بستان من الأشجار المثمرة، وكان يعمل في شراء المواسم الزراعية داخل سوريا، إلّا أنّ ظروف الثورة اضطرته للمغادرة ثمّ سحب عائلته وراءه.

في البداية، انتقل إلى تركيا وعمل مترجماً من العربية إلى التركية وكان يلتقط رزقه من الصحافيين القادمين إلى تركيا لإجراء مقابلات وتحقيقات حول الوضع والأحداث في سوريا. سكن في شقة إيجارها رخيص نسبيّاً (300 ليرة تركية) أي ما يعادل 200 دولار أميركي ولكنّه لم يستطع الاستمرار في الإيجار طالما أنّه لم يجد دخلاً ثابتاً، في حين أن أقرانه من النازحين يعملون إمّا في الزراعة أو المطاعم ويجنون رواتب جيدة نسبياً.

يقول جميل، وهو يسرد لـ"الجمهورية" صعوبات حياته كنازح إلى تركيا، بأنّه يرغب في العودة إلى حياته الطبيعية وأكثر ما يقلقه هو مصير أولاده بعدما تركوا مدارسهم داخل سوريا.

أحمد، نازح سوري آخر، يشرح أنّه يعاني الحر كثيراً جرّاء الحرارة المرتفعة في خيمته، في مخيم أورفة، ممّا يدفعه إلى مغادرتها والنوم في الهواء الطلق، ولكنّه إذا اختار هذه الطريقة للتخفيف من الحرارة فهذا الحلّ لا يتناسب مع زوجته مثلاً كونها محجّبة.

يقول هي خيمة في النهاية والخيمة توحي بعدم الاستقرار والوجع الداخلي جرّاء فقدان الحياة الطبيعية في وطن مفترض. بمعنى أنّ الخيمة تُشعر المواطن السوري بأنّه بلا قيمة وطنية، بل قيمته إنسانية ولذلك يسألوننا عن الأكل والمرحاض والأوراق الثبوتية، ولكن في الداخل نحن نبحث عن وطن ومستقبل زاهر وحرية فقدناها ندفع ثمنها كل يوم.

على أنّ الحر وانقطاع الكهرباء أحياناً ليسا ما يشغل بال أحمد وآخرين من النازحين، إنّما الأسئلة الكبيرة ستواجههم في مطلع العام الدراسي القادم، خصوصاً أنّ المناهج التربوية التركية لا تلحظ مطلقاً تعليم اللغة العربية منذ انهيار السلطنة العثمانية في حال لم ينجح الحسم العسكري للجيش السوري الحرّ في مدينة حلب.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل