#dfp #adsense

فضيحة ميشال سماحة إدانة لكل منطق “الأقلويين ـ الممانعين”

حجم الخط

توقيف ميشال سماحة حدث في غاية الأهميّة. يحتلّ مكانة بارزة في مسلسل التصفيات بالدور الحاسم من الثورة السوريّة. يضاف إلى مقتلة "خلية الأزمة"، واعتقال المخرّبين الإيرانيين، وانشقاق رياض حجاب، ويمهّد السبيل لما سوف يلي.

مع ذلك، فالشخص بحدّ ذاته عديم الأهميّة، لا توحي طلاته الإعلاميّة الكثيرة بأنّ لديه أية مؤهّلات. إلا أنّ ذلك لم يمنعه من أن يضطلع بوظائف وأدوار سياسية وأمنية دقيقة وخطيرة على امتداد السنوات.

بشّار الأسد وعلي مملوك قرّرا ايجاد حلّ لهذه المفارقة. وكّلا ميشال سماحة، الشخص عديم الأهمية لكن ذا التاريخ الطويل في الإضطلاع بأدوار ومهام مهمّة وخطيرة، بمخطّط إرهابيّ تجتمع فيه كلّ خصال هذا الشخص: أمر دنيء من حيث استهدافه لشخصيات دينية، مسلمة ومسيحية، وتقصّده إشعال فتن طائفية، لكنه أمر شديد الخطورة من حيث توقيته وتداعياته لو حصل لا قدّر الله، وفوق ذلك أمر كان يسمح لو حصل على هذا النحو الجهنّمي لميشال سماحة وغيره من "استراتيجيي الممانعة" باحتلال المنابر والشاشات، مطلقين العنان لكل العقد وكلّ الأكاذيب والتلفيقات في آن. ففي سماحة يجتمع إدمان التآمر على الوطن من ناحية، وإدمان الثرثرة من "وحي نظرية المؤامرة" على الشاشات من ناحية ثانية.

نهاية ميشال سماحة هي إذاً نهاية رجل غير مهم، غير مهم أبداً، وُكِّل في حياته بأشياء غاية في الخطورة والأهمية، لكنه أنهى حياته السياسية والأمنية والمخابراتية، في موقف غاية في الخطورة و"الفضيحة" في آن.
في الوقت نفسه، فإنّ ميشال سماحة يقدّم نموذجاً، نموذج "الممانع" على قاعدة العقدة "الأقلويّة"، و"الأقلويّ" على قاعدة عقدة "الممانعة". والحال أنّه ربّما كان يمكن معالجة المصابين بإحدى هاتين العقدتين، أي عقدة التفكير الأقلويّ "المعادي لمؤامرة الأكثرية المذهبية الإقليمية"، وعقدة الممانعة المعادية "لمؤامرة الإمبريالية العالمية"، لو أنّ المصاب بإحدى العقدتين محصّن تجاه الأخرى، لكنّ اجتماع العقدتين عند كثيرين هو الكارثة بعينها، بل هو الفضيحة بعينها، والمثال الذي أمامنا يوضح ذلك بأقصى قدر ممكن.

في القرن التاسع عشر، كان الوضع أكثر سويّة مثلاً. كانت الدول الأوروبية تتخذ من الأقليّات الدينية والعرقية في السلطنة العثمانية مناسبة للتدخّل في شؤون الدولة العليّة، وكان هذا الوضع إلى حدّ ما طبيعيا في ظروف ضعف السلطنة، وكان من الطبيعيّ أن تتعاطى الأقليّات بشكل ايجابي مع هذا التدخّل الأوروبيّ الذي يحمل يافطة حقوقها وقضاياها. طبعاً، في هذا تعميم كثير، لكن هذا ما يمكن قوله بشكل عام.

أما في القرن الحادي والعشرين، فـ"حلف الأقليّات" طرح غير سويّ بالمرّة، لأنّه يرمي إلى وضع هذه الأقليّات، وفي وقت واحد، ضدّ كلّ من الأكثرية الإسلامية السنية في المنطقة من ناحية، والدول الغربية بل الحضارة الغربية الحديثة ككل من ناحية ثانية. هذا المنطق هو ما كان يجهد ميشال سماحة للتعبير عنه على شاشات التلفزة في الوقت المستقطع بين توكيل أمنيّ وآخر، مستخدماً أدوات خطابية منتهية الصلاحية، كمثل العداء للسامية، ونظرية المؤامرة، والكلمات التقديسية لحسن نصرالله وبشّار الأسد، والأخرى التخوينية المبتذلة الموجهة للأخصام.

لأجل ذلك، فإنّه، وبمعزل عن الهمّ السياسيّ القضائيّ الديبلوماسيّ المتّصل بملاحقة القضية حتى خواتيمها، وصولاً الى استدعاء من ينبغي استدعاؤه، وطرد من ينبغي طرده، فإنّ هناك بُعداً آخر، ثقافيّاً لهذه القضية: إنّها لحظة انكشاف الطابع المَرَضيّ، السرطانيّ، لإلتقاء العقدتين "الأقلويّة" و"الممانعاتية"، عقدة الإسلاموفوبيا الأقلويّة المشرقية حين تجتمع مع العداء للغرب على أساس النسخة الأكثر رداءة من نظرية المؤامرة. لا يعني ذلك، أنّ المطلوب هو طمس قضايا "الأقليّات" كما قد يتوهّم البعض، أو التحوّل من "الممانعة" و"نظرية المؤامرة" إلى إلغاء كل بُعد وطنيّ وحضاريّ في العلاقة بين شعوب هذه المنطقة والدول الغربية، بل العكس تماماً: حين تفصل العقدتان عن بعضهما البعض، يصير من الممكن معالجة كلّ واحدة، وإعادة طرح الأسئلة بشكل صحيح، سواء الأسئلة التي تتصل بالأقليات وعلاقتها مع الأكثريات في المنطقة، أو الأسئلة المتعلّقة بالعلاقة بين شعوب هذه المنطقة وبين الغرب (التركة الإستعمارية، الصراع العربي الإسرائيليّ، قضايا الهجرة والمهاجرين، مسألة الطاقة، التعاون الإقتصاديّ وأنماطه وأشكاله)..

نعم، إنّه شخص عديم الاهمية، لكن توقيفه يمكنه أن يفتح على أسئلة على جانب من الأهمية، لأنّ توقيفه يدين هاتين العقدتين، "عقدة الأقليات" في كراهيتها واحتقانها من الأكثرية المذهبية، و"عقدة الشرق" في كراهيته واحتقانه من "المؤامرة الغربية".

كان ميشال سماحة عنواناً لثلاثة: التآمر المستمرّ على الإستقلال اللبنانيّ والغدّ الديموقراطيّ السوريّ، البث المستمرّ للنسخة البدائية عن نظرية المؤامرة إمعاناً في تخوين خيرة أبناء لبنان وسوريا، والابتذال المتواصل للشعارات القومية، انما طبعاً على قاعدة "حبّ فلسطين يستوجب العداء للفلسطينيين"، وما الى ذلك من مفارقات معيبة. اليوم، ميشال سماحة وراء القضبان. هذه دعوة للتحرّر من هذه العناوين الثلاثة: ايقاف التآمر على الإستقلال اللبنانيّ والثورة السوريّة، ايقاف العمل بنظرية المؤامرة، وسحب المزايدة القومية من التداول نهائياً أيضاً، لأنّ استقلاليي وديموقراطيي لبنان وسوريا وفلسطين هم أدرى بقضاياهم المحقّة من أي وقت كان، وعلى الأقلّ أدرى بها من "الأقلويين الممانعين" و"الممانعين الأقلويين".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل