كتبت باسكال عازار في صحيفة "النهار":
أمام اهتزاز الصورة الخضراء للبنان، هذا الذي كان "أخضر حلو"، انطلقت العام 2006 ورشة مهنية دقيقة من المركز الوطني للإستشعار من بعد، التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية، بتمويل من وزارة الزراعة، للتدقيق في ما تبقّى من ثروتنا الخضراء. وخلصت الدراسة آنذاك إلى النتيجة الشهيرة التي تؤكّد أننا لا نزال نملك 13,1% من غاباتنا الخضراء. اليوم، وبعد ست سنوات تنطلق ورشة جديدة لتحديث هذه النتيجة، فهل تكشف النتائج عن واقع تراجيدي، خصوصاُ مع مواجهتنا اليومية لتدهور بيئي تصاعدي؟
حدّد مدير المركز الوطني للإستشعار من بعد الدكتور طلال درويش الواقع بالأرقام، فشدّد على أن الخارطة التي أنتجتها الدراسة "تحدّد الغطاء النباتي بـ36% من مساحة لبنان، وتضمّ هذه المساحة غابات وأراضي زراعية ومساحات مغطاة بالأعشاب البرية والشجيرات…"، موضحاً أن "نسبة 13,1% هي مساحة الغابات". وكشف وفقا للإحصاءات الأخيرة أنه "اندلع بين عامي 2003 و2010، 1446 حريقاً، ما أدى إلى إتلاف 4519 هكتاراً من مجمل مساحة الغطاء النباتي، أي ما يعادل 1,25% من أصل 36%، ما يساوي 45,19 كيلومتراً مربعاً". وأوضح أنه "رغم التجدد الطبيعي الذي لا يحتاج إلى تدخل إنساني، ورغم حملات التحريج، يؤدي الحريق إلى تغير في الغطاء النباتي، وهذا طبعا يترك صورة غير مريحة لكنها غير تراجيدية، لأن وزارة الزراعية واعية لهذا الموضوع، وقد وضعت استراتيجية للتشجير، مدروسة وطموحة، وهي على المسار الصحيح".
حملات تحريج دعائية وغير مستدامة
تولّت جمعية الثروة الحرجية والتنمية – AFDC كذلك العام 2007 القيام بإحصاء كشفت من خلاله أن مساحة الغابات في لبنان تبلغ نحو 13% "غير أننا لا نعرف كم تبلغ هذه المساحة اليوم، الا ان الأكيد هو أنها ليست إلى تزايد، لأن الحرائق المتكررة تقضي سنويا على ما بين 2000 و3000 هكتار. وإذا قمنا باحتساب المعادلة في شكل أولي ندرك أننا نخسر من المساحة ولا نزيدها، خصوصا أن كل مشاريع التحريج التي تنظم وإعادة التأهيل بعد الحرائق لم تتخطّ الـ2000 هكتار عن السنوات الخمس الأخيرة"، وفق رئيسة الجمعية سوسن بو فخرالدين.
وأشارت "نسمع كثيرا عن حملات التشجير المليونية، هذه كلها كليشيهات، فما من معلومات دقيقة عن نتائج هذه الحملات لأن ما من أحد يقوم بالتقويم. وقد تبيّن أن أكثر من نصفها كان فاشلا. إلى ذلك هناك مساحات تتعرض للحرق مرة ثانية بعد تحريجها، لأنهم لا يفكرون بأكثر من الزرع. يجب أن يفكروا أولا بحماية المنطقة من الحرائق والرعي والعمران والمرامل والكسارات… وكل هذه عوامل تؤدي إلى انحسار المساحات الخضر، وخصوصا في ظل وضع لا يحاسب فيه أحد. أؤكد أننا في حال قمنا بإحصاء جديد سوف تكون النتيجة أقلّ من 13%". أما عن الحلول المطلوبة لتفادي هذا الواقع فقالت بو فخرالدين: "العام 2009 أقرّت الاستراتيجية الوطنية لإدارة حرائق الغابات في لبنان، وتتضمّن إجراءات الحماية التي يجب أن تتخذ على صعيد البلديات والمحافظات والوزارات. لكنها لا تزال في الادراج لأنها لا تطبّق كما يجب. أعتقد أن تطبيقها في إمكانه حماية ما تبقّى".
وأضافت "برأيي على وزارة الزراعة الإشراف على هذه الآلية، ويجب أن تكون هناك استراتيجية موحدة للتحريج، وهذا ما يحاول وزير الزراعة حسين الحاج حسن القيام به. نحن كجمعية نعمل على هذا الموضوع وندعم في المقابل مسيرة وزارة الزراعة في وضع الاستراتيجية". وشددت أنه "على وزارة الزراعة أن تكون مسؤولة عن كل حملات التحريج، وأن تحدد هي الشروط والإرشادات التي على الجميع أن يعمل على أساسها. ففي النهاية الوزارة لا تستطيع تشجير لبنان بمفردها ولا البلديات ولا الجمعيات كذلك. لذلك لا بدّ من التعاون بين كل الجهات من أجل القيام بهذه الحملة لأنها مكلفة جداً، وحتى لا تبقى عمليات صغيرة ومتفرّقة لا تؤدي إلى النتيجة التي نريد".
خطط طموحة
مدير التنمية الريفية والثروات الطبيعية في وزارة الزراعة الدكتور شادي مهنا أوضح أن وزارة الزراعة، ورغم مسؤوليتها في متابعة موضوع الحرائق ومعرفة عددها والمساحات المحروقة والمحرّجة، "لا تملك معلومات كاملة، للأسف، بسبب نقص العديد لدينا والتنظيم بعض الشيء. لذلك نسجلّ ما يصلنا من القوى الأمنية عن كل حريق يقع في الأحراج، فندخلها إلى قاعدة المعلومات. ونتّكل حاليا على الإحصاءات التي نحصل عليها من الجمعيات الأهلية كـAFDC مثلاً، التي تعتبر شريكة لنا كوزارة في المواضيع المتعلقة بالحرائق".
وأوضح أنه "ليس من الضروري التحريج بعد كل حريق لأن من الأنواع ما يتجدّد بمفرده ومنها ما يحتاج إلى الحماية، ومنها ما لا يكون قد احترق بكامله. يجب أن نكون دقيقين منهم من يقول أن المساحة المحروقة في لبنان هي 2000 هكتار، غير أن مرور الحريق بمساحة 2000 هكتار لا يعني أن المساحة احترقت بكاملها. وهنا أؤكد أنه لا يمكن اعتبار كل غابة احترقت هي غابة خسرناها بل هي في اغلب الأحوال غابة تأخرت. فأغلب الغابات تتجدد بمفردها لذلك الإدارة الجيدة لها كفيلة بالمساعدة على نموها من جديد".
وأشار إلى أن لدى الوزارة "مشروعاً مهماً جداً للتحريج ويمتد على 15 و20 سنة، هدفه رفع مساحة الغابات من 13% إلى 20%. ومع إعادة تأهيل مشاتلنا باتت قادرة على إنتاج ما بين مليون ونصف وثلاثة ملايين غرسة، ما يعني أن إنتاجنا يكفي لتأمين الغرسات التي يحتاجها المشروع". واعتبر أن مشكلة التحريج في لبنان تكمن في أن "كلّ يعمل على هواه" فمن المفترض، برأيه، أن يعمل الجميع وفق الاستراتيجية الوطنية لإدارة حرائق الغابات في لبنان التي أقرّها مجلس الوزارء العام 2009، لكن للأسف لم تطبّق بعد، لأن ما من إرادة سياسية للقيام بذلك".
وأضاف "نحن مصرّون، وبدعم قوي من الوزير، على العمل في الغابات بطريقة مختلفة وفاعلة. نقوم حاليا بمشروع نحاول توفير التمويل له ليكون لدينا برنامج وطني للتحريج. ويقوم البرنامج على وضع خارطة للتحريج تشمل كلّ عقار بمفرده، عقارات الدولة والمشاعات البلدية، وتكون لكل عقار وثيقة خاصة به تتضمن مساحته ونوعية التربة والرطوبة فيها وخصائصها والأنواع التي تعيش فيها وملكيته، وحتى الأسلوب الذي يجب أن نزرع به… فكل من أراد أن يقوم بحملة تحريج يعلمنا بالمنطقة التي يرغب التحريج فيها، فنرشده إلى العقارات القابلة للتحريج وفقا لتقنيات وشروط معينة. يحتاج المشروع إلى 500 ألف دولار لتمويله وليس المبلغ كبيرا نظرا للنتائج المنتظرة".