#dfp #adsense

الإحتساب المُثقل والنُظُم الإنتخابية والدوائر (2)

حجم الخط

كتب توفيق هندي في صحيفة "الجمهوريّة":

إنّ النقاش الدائر حول قانون الانتخابات النيابية حتى يومنا هذا يتمحور حول مسألتين أساسيتين: الدائرة الانتخابية (حجمها وترسيمها) والنظام الانتخابي (أكثري أو نسبي).

إنّ هذا النقاش يخفي في طيّاته خلفيات طائفية ومذهبية ومناطقية وسياسية غير معلنة، وتشاطراً وتذاكياً وتكاذباً ولغة خشبية في طريقة إجرائه.

إنّني في اقتراحي، ابتكرت مقاربة نوعية جديدة تتّسم بصفة الشمولية وتتركّز على طريقة احتساب نتائج الانتخابات بما يتخطّى المسألة الديموغرافية حاضراً، وعشوائية تطوّرها مستقبلاً، وبما يتيح بنحو ثابت أن يكون للمسلمين كما للمسيحيّين قدرة رياضية متساوية ومتوازية في التأثير على انتخاب الـ 128 نائباً في المجلس النيابي، علماً أنّ هذا الاحتساب يصحّ مهما كان حجم الدائرة وكيفما كان ترسيمها، كذلك يصحّ اعتماده في النظام الأكثري كما في النظام النسبي. وهكذا يتمّ تجاوز النقاشات العقيمة القائمة حول مسألتي الدوائر والنظم الانتخابية والتي قد تطول دون أن تسمح بالوصول إلى حلّ مُرضٍ. وبالتالي تسمح المقاربة المقترحة إلى مناقشة هاتين المسألتين من زاوية معايير انتخابية موضوعية علمية لا ترتبط بالمصالح الضيّقة الطائفية والمذهبية والمناطقية والسياسية. وفقاً لهذه المقاربة، في كلّ دائرة يقترع المسيحيّون للمرشحين المسيحيين والمسلمين والعكس بالعكس.

غير أنّ احتساب النتائج في نفس الدائرة يرتبط بمذهب وطائفة المقعد. فإذا كان المقعد شيعياً مثلاً، يمنح نظام الاحتساب المقترح قدرة مستقلّة للمقترعين الشيعة في التأثير على انتخاب المرشّح للمقعد الشيعي بنسبة 20 %، وقدرة للمقترعين المسلمين بمن فيهم الشيعة بنسبة 50 % وقدرة للمقترعين المسيحيّين بنسبة 30 %، وذلك مهما كان عدد الشيعة والمسلمين والمسيحيين في الدائرة. أمّا إذا كان المقعد مارونيّاً في الدائرة ذاتها، فيكون تأثير الموارنة في انتخاب المرشّح للمقعد الماروني بنسبة 20 % والمسيحيّين بنسبة 50 % والمسلمين بنسبة 30 %. وهكذا، تكون النتيجة الإجمالية أنّ المقترعين المسيحيّين يؤثّرون بنسبة 70% في انتخاب الـ 64 نائباً مسيحيّاً وبنسبة 30 % في انتخاب الـ 64 نائباً مسلماً، في حين أنّ المقترعين المسلمين يؤثّرون بنسبة 70 % في انتخاب الـ 64 نائباً مسلماً وبنسبة 30 % في انتخاب الـ 64 نائباً مسيحيّاً.

يرتكز هذا النظام على ما يمكن تسميته مفهوم النسبة المئوية المثقلة. ويشكّل مقاربة جديدة لقانون الانتخابات أساسها طريقة احتساب نتائج الانتخابات، وهي بذلك مختلفة عن المقاربتين الكلاسيكيتين: الدوائر (حجماً وترسيماً) والنظم (أكثري أو نسبي)، بل هي تكمّلهما وتسهّل الوصول إلى تفاهم حولهما.

مفهوم النسبة المئوية المثقلة

تتحدّد النسبة المئوية المثقلة لمرشّح معيّن بـ 20 % من النسبة المئوية من المقترعين في مذهبه + 50 % من النسبة المئوية من المقترعين في طائفته +30 % من النسبة المئوية من المقترعين في الطائفة الأخرى.

• يفترض إمكانية تحديد عدد المقترعين، كما عدد الأصوات التي نالها كلّ من المرشّحين في المذاهب والطوائف التي تتألف منها الدائرة المعنية. هذه الإمكانية متوافرة لأنّ الغالبية العظمى للأقلام الانتخابية هي أقلام مذهبية.

• يُسمح بتجاوز مسألة عدم التوازن الديموغرافي في لبنان المقيم ومسألة التوزّع العشوائي للديموغرافيا على الجغرافيا كما مسألة عشوائية التطوّر الديمغرافي في المستقبل من خلال استبدال عدد الأصوات بنسب التصويت في المذاهب والطائفتين، كما من خلال إعطاء أوزان تأثيرية لمذهب المقعد

(20 %)، لطائفة المقعد (50 %) وللطائفة الأخرى (30 %).

• إنّ هذه الأوزان التأثيرية يمكن تغييرها كما يمكن إلغاء الوزن التأثيري لمذهب المقعد لحساب الوزن التأثيري للطائفة التي ينتمي إليها المذهب؛ فيصبح مثلاً الوزن التأثيري لطائفة المقعد 70 % وللطائفة الأخرى 30 % .

الاحتساب المثقل والدوائر

• من المستحسن في اعتماد مفهوم النسبة المئوية المثقلة أن تكون مختلطة، أي أن تحتوي أقلّه على مقعد مسلم واحد ومقعد مسيحي واحد، وتحقيق هذا الشرط سهل جداً. لا تأثير لحجم الدائرة (كبيرة، متوسطة أو صغيرة)، ولا لترسيمها على حجم مساهمة المذاهب والطوائف المعنية فيها في التأثير على نتائج الانتخابات لأنّ الأعداد لا تؤثّر إنّما النسب.

الاحتساب المثقل والنظم الانتخابية

بمعنى أنّ المرشّح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات (أو أعلى نسبة مئوية من عدد المقترعين) لا يفوز بالضرورة بالمقعد الذي قد يكون من حظّ المرشّح الذي سجّل أعلى نسبة مئوية مثقلة.

يمكن استخدام الاحتساب المثقل في النظام الأكثري، ويمكن استخدام الاحتساب المثقل في النظام النسبي على النحو الآتي:

• إلى جانب الاقتراع للّائحة، يختار المنتخب اسمين من اللائحة التي يقترع لها، واحداً مسلماً وواحداً مسيحيّاً.

• لكلّ لائحة يتمّ احتساب النسبة المئوية المثقلة الإجمالية للمسلمين والنسبة المئوية المثقلة الإجمالية للمسيحيين على قاعدة احتساب النسبة

الأولى بإعطاء ثقل 70 % للاقتراع المسلم للّائحة وثقل 30 % للاقتراع المسيحي، والنسبة الثانية بإعطاء ثقل

70 % للاقتراع المسيحي للّائحة وثقل

30 % للاقتراع المسلم.

إنّ هذا الاحتساب يجري للّوائح تماماً كما للأفراد في النظام الأكثري، فتُعتبر اللائحة كما لو أنّها مرشّح لمقعد مسلم، فيتمّ احتساب النسبة المئوية المثقلة الإجمالية للمسلمين وتعتبر اللائحة كما لو أنّها مرشّح مسيحي، فيتم احتساب النسبة المئوية المثقلة الإجمالية للمسيحيين.

• تفوز اللائحة بعدد من المقاعد المسلمة في الدائرة (النسبة المئوية المثقلة الإجمالية للمسلمين من عدد المقاعد المسلمة) كذلك تفوز بعدد من المقاعد المسيحية (النسبة المئوية المثقلة الإجمالية للمسيحيين من عدد المقاعد المسيحية).

• أمّا انتقاء الفائزين في كلّ لائحة، فيتمّ على قاعدة من نال أعلى نسبة مئوية مثقلة إجمالية بدلاً ممّن نال أكبر عدد أصوات، آخذين في الاعتبار التوزّع المناطقي والمذهبي، ومعتمدين أيّ من آليات الانتقاء في النظم النسبية المقترحة.

بهذه الطريقة يتأمّن في آن معاً التمثيل العادل والحقيقي والفاعل للمذاهب والطوائف كما تفاعلها في إطار عيش مشترك لا يتأثر بالعوامل الديموغرافية غير السويّة وعشوائية تطوّراتها المستقبلية.

إضافة إلى هذه الحسنات، تسمح هذه الطريقة بتخطّي المفارقات المناطقية، فلا يكون هناك مرشّحون "محظوظون" من حيث أنّ مناطقهم صافية مذهبيّاً أو طائفيّاً، أو أنّ مذهبهم أو طائفتهم له أو لها غلبة عددية حاسمة في دائرتهم مقابل مرشّحين "غير محظوظين" من الطائفة نفسها، أو المذهب نفسه يواجهون وضعاً أقلّوياً في مناطقهم.

ملاحظات

يمكن اعتماد النسبة المئوية المثقلة الإجمالية لاحتساب الأصوات في النظام الأكثري كما في النظام النسبي. في النظام الأكثري، يفوز بالمقعد المرشّح الذي يحصل على أكبر نسبة مئوية مُثقلة إجمالية (أنظر إلى الملحق رقم 1 مع الجدول المرفق). أمّا بالنسبة إلى النظام النسبي، فالملحق رقم 2 يحدّد استعمال طريقة الاحتساب المثقل.

يحلّ الاحتساب المثقل إشكالية الديموغرافيا وتطوّراتها المستقبلية بنحو جذري وكامل وثابت على عكس ما تؤمّنه المقاربات الأخرى من حلول ملتوية مجتزئة وغير ثابتة، إذ يتعاطى حصراً بنسب الأصوات التي ينالها المرشّح في كل من مذهبه وكل من الطائفتين اللتين يتألّف منهما لبنان، وليس بعدد الأصوات التي ينالها في كلّ من هذه الفئات.

يؤمّن الاحتساب المثقل التساوي المطلق في كلّ الدوائر بين جميع المرشحين لأيّ مذهب أو طائفة انتموا، وهو بالتالي يؤمّن عدالة التمثيل وصحّته.

يؤمّن الاحتساب المثقل في آن معاً التفاعل الوطني من حيث إنّ أيّ نائب يفوز بالإرادتين المسيحية والمحمّدية، والقاعدة الأساس للعيش المشترك ألا وهي الشراكة المتساوية في السلطة.

إذا كان الاحتساب المثقل يؤمّن للمسلمين القدرة على أن يؤثّروا بنسبة 70 % (20 % 50 %) في انتخاب مرشحيهم وبنسبة 30% في انتخاب المرشحين المسيحيين في أيّ دائرة كانت، فإنّه في المقابل يؤمّن للمسيحيين القدرة على أن يؤثّروا بنسبة 70 % في مرشحيهم وبنسبة 30 % في المرشحين المسلمين. من هنا، فإنّه يؤمن التساوي والتوازي المطلقين بين الطائفة المسيحية والطائفة المحمدية في التأثير في إنتاج المجلس النيابي، كذلك يؤمّن التساوي بين مرشحي الطائفة الواحدة حيث لا أفضلية لمرشحي دائرة صافية طائفياً على مرشحي دائرة مختلطة، ذلك أنّ هذا الاحتساب المثقل يفترض أن تكون كل الدوائر مختلطة. أليس هذا أمر يتناغم مئة في المئة مع طبيعة وحقيقة المجتمع اللبناني المتعدّد والمتنوّع والحرّ والديمقراطي؟!!

يحرّر الاحتساب المثقل النقاش حول حجم الدوائر وترسيمها من الخلفيات الطائفية والمذهبية، إذ إنّ تأثير العامل الطائفي والمذهبي لانتخاب مرشح لمقعد معين لا يتغيّر مع تغيّر الدائرة التي تحتويه. من ناحية أخرى، يفترض أن تحتوي كلّ دائرة، أقلّه على مقعد مسلم واحد ومقعد مسيحي واحد. لذا، يمكن تحديد الدوائر الانتخابية على أساس العوامل التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي تربط أهالي منطقة معيّنة في ما بينهم، كذلك على أساس أيّ معيار آخر يتمّ التوافق عليه.

يتناغم الاحتساب المثقل مع المعايير التي يُحدّدها اتّفاق الطائف لوضع قانون الانتخابات الاشتراعيّة. أمّا تحديد الدوائر الانتخابية التي هي المحافظات بعد إعادة ترسيم الوحدات الإدارية، فيتمّ على أساس معايير إدارية بحتة كما على أساس المعايير المذكورة في الفقرة السابقة وضرورات تحقيق اللامركزية الإدارية الموسّعة الواردة أيضاً في اتّفاق الطائف.

إنّ النقاش الوطني حول الاحتساب المثقل سوف يوضح حقيقة مواقف كافّة الأطراف والمرجعيات اللبنانية من حيث مدى التمسّك بالكيان اللبناني والمسلّمات الوطنية التي يقوم عليها بما يتعدّى المواقف العلنية حول التمسك بالطائف أو بالمناصفة. إنّ هذا الاحتساب لن يغيّر شيئاً بالنسبة إلى المقترع والمرشح من حيث العادات الانتخابية إذا ما اعتمد النظام الأكثري. ويكون حينذاك التغيير الوحيد هو في طريقة احتساب الأصوات التي يمكن أن يفهمها المواطن ببساطة من دون الحاجة إلى الغوص في وجوهها الحسابية والتقنية. من ناحية أخرى، يتطلّب اعتماد هذا الاحتساب تغييرات بسيطة في تقنيات إجراء العمليات الانتخابية واحتساب النسب آلياً بواسطة الحاسوب الإلكتروني.

يبقى أن نشير أنّ عدداً من الأطراف السياسية، متخطياً ما اتفق عليه في الطائف، يعتبر، وإن لم يعلن صراحة، أنّ الاختلال في الميزان الديموغرافي لا بد أن يترجم اختلالاً في التوازن السياسي في السلطة.

وهنا يطرح موضوع إلغاء الطائفية ويبقى الاتّفاق على ماهية الهدف النهائي: إلغاء الطائفية السياسية من دون إلغاء الطائفية، أو الانتقال إلى المجتمع المدني، أي إلغاء الطائفية بكاملها في الاجتماع والسياسة معاً.

ولا بدّ من الملاحظة هنا أنّ المادة 95 من الدستور المعدلة من خلال اتّفاق الطائف ملتبسة من حيث إلغاء الطائفية السياسية أو إلغاء الطائفية.

لذا، لا يصحّ في نظرنا اتّخاذ أيّ خطوة في عملية إلغاء الطائفية، لا سيّما في ما يخصّ المسّ بمبدأ التساوي الفعلي في السلطة بين المسيحيين والمسلمين وخصوصاً لجهة قانون الانتخابات، إلّا بعد اقتراحها على مجلس النواب والوزراء بواسطة الهيئة الوطنية المُشار إليها في المادة 95.

لذا، يتوجّب أوّلاً تشكيل الهيئة الوطنية. ولكن لا يصحّ تشكيلها قبل إعادة تكوين السلطة على أساس القواعد المنصوص عنها في اتّفاق الطائف، أي إجراء انتخابات نيابية وفقاً للقانون العتيد الذي يفترض به أن يراعي نصّ اتفاق الطائف وروحيته، وتشكيل حكومة وفاق وطني كما ينصّ عليها اتفاق الطائف والدستور، لأنّ سلامة تكوين السلطة هي الشرط الرئيسي لسلامة تشكيل الهيئة.

وإلى أن تتناول الهيئة موضوع قانون الانتخابات في مداولاتها من ضمن خطة شاملة ذات هدف واضح، فتقترحه على مجلس النواب والوزراء ويقرّه المجلسان بعد مناقشته، يجب على أيّ قانون انتخابات أن يحقّق مبدأ المناصفة الفعلية، وليس الشكلية، في السلطة بين المسيحيين والمسلمين. إنّ نظام الاحتساب الانتخابي المثقل يحقّق بامتياز هذا الهدف، وكلّ الاقتراحات الأخرى لا تحقّقه على حدّ علمي، بل إنّها تشكل حلولاً قاصرة تعكس بدرجة أو بأخرى الاختلال المؤذي للكيان اللبناني في التوازن الديموغرافي. (انتهى)

الحلقة الأولى: مشروع الحكومة الانتخابي لا يراعي الطائف ولا المناصفة الحقيقية (1)

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل