#dfp #adsense

قطع العلاقات بين “الدولتين” متى وكيف وبالاستناد إلى أي بنود؟…الاتهام الثلاثي يمرّ بمذكرات توقيف وطلب تسليم مملوك وعدنان

حجم الخط

قامت بين لبنان وسوريا معاهدة وقعها البلدان عقب اتفاق الطائف في 22 ايار عام 1991 وسميت "معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق" واقرها مجلس النواب بموجب القانون رقم 57 تاريخ 29 ايار 1991. وشكلت المعاهدة التي صادق عليها مجلس النواب في ظل النفوذ السوري الساحق والتفويض الدولي المعروف آنذاك لما تحول وصاية سورية كاملة على لبنان حتى الانسحاب السوري منه في ايار 2005، الاطار الناظم المشرعن لمجموعة كبيرة من اتفاقات ثنائية كان اهمها واخطرها على الاطلاق اتفاق الدفاع والامن.

ينص هذا الاتفاق، في جملة بنوده، على ثلاثة بنود اساسية هي ما ينبغي تسليط الضوء عليها الآن وسط انفجار ملف توقيف الوزير والنائب السابق ميشال سماحة بتهمة مدوية، الى جانب اتهام الركن الامني والعسكري السوري الابرز اللواء علي مملوك وعميد آخر في الجيش السوري، وهي تهمة تأليف عصابة مسلحة بقصد تنفيذ اعمال ارهابية بواسطة عبوات ناسفة والتخطيط لقتل شخصيات دينية وسياسية ودس الدسائس لدى مخابرات دولة اجنبية لمباشرة العدوان على لبنان، على ما جاء في الادعاء الصادر عن مفوض الحكومة والمعاون لدى المحكمة العسكرية القاضي سامي صادر، والذي شرع المحقق العسكري القاضي رياض ابو غيدا امس في التحقيق مع سماحة على اساسه.

ينص البند الاول من هذه البنود الثلاثة على "منع اي نشاط أو عمل او تنظيم في كل المجالات العسكرية والامنية والسياسية والاعلامية من شأنه إلحاق الاذى والاساءة بالبلد الآخر".

وينص البند الثاني على "ان يلتزم كل من الجانبين عدم ايواء اشخاص او منظمات يعملون ضد امن البلد الآخر، وفي حال حصول ذلك تسليمهم الى الجانب الثاني".

وينص البند الثالث على "التبادل والتعاون بين الاجهزة الامنية لا سيما في قضايا التجسس والمعلومات والمخدرات والارهاب".

لم تكن الاتفاقات اللبنانية – السورية يوما الناظم الواقعي للعلاقات الحقيقية بين البلدين، بل اتسمت غالبا بسمة شكلية جامدة، مفرغة من كل محتوى نظرا الى ان النظام السوري كان ابان وصايته على لبنان، وبتسليم او بتواطؤ مع الكثير من القوى السياسية الداخلية، يتحكم بادارة لبنان وسياساته في كل المجالات وفق قواعد اللعبة المتاحة له، وليس على اي قواعد متوازنة وقانونية كتلك التي تتبع بين دولة سيدة ودولة سيدة اخرى. انفجر واقع هذه العلاقات بأقصى ذروة الانفجار عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري واندلاع حرب الاغتيالات تباعا والانسحاب القهري القسري للقوات السورية من لبنان في ايار 2005. بعد تلك الحقبة، جرت محاولة يتيمة لإعادة النظر في الاتفاقات اللبنانية – السورية ابان ولاية حكومة الرئيس سعد الحريري لم يكتب لها النجاح، اذ بدا واضحا ان طابع المناورة السورية اطبق على تلك المحاولة في ظل اسرار ما عرف آنذاك بمبادرة الـ"سين سين" والتي انتهت بالانقلاب عليها من جانب سوريا وحلفائها في قوى 8 آذار وانتهى الامر بالانقلاب المعروف على حكومة الرئيس سعد الحريري وتشكيل الاكثرية التي تولت تأليف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.

ولا تجادل الاوساط والجهات القانونية الجادة لحظة في ان ثبوت الادعاء على الوزير السابق سماحة واللواء علي مملوك والعميد عدنان مجهول باقي الهوية، من شأنه ان يلزم الحكومة والدولة في لبنان، ليس اعتبار المعاهدة اللبنانية – السورية وسائر الاتفاقات المنبثقة منها لاغية فحسب، بل اعتبار هذا الاعتداء على امن لبنان وسيادته واستقلاله بمثابة اعلان حرب عليه. ولكن الاوساط نفسها تعتقد ان هذا المسار يفترض ان يلتصق تماما ويتبع المسار القضائي لا ان يستبقه، اذ من غير الجائز من الزاوية القانونية الصرفة اتخاذ الاجراءات الرسمية والديبلوماسية التي يمليها تطور بهذه الخطورة قبل اثبات الجرم قضائيا.

بطبيعة الحال تكتسب مطالبات قوى سياسية، ولا سيما منها قوى "14 آذار"، بقطع العلاقات مع سوريا، اهمية وصدقية ومشروعية قياسا الى الحيثية الخطيرة التي يكتسبها شخص المتهم المعروف بأنه من اقرب الشخصيات الى الرئيس السوري بشار الاسد وضمن حلقته الضيقة، كما بالنسبة الى ارفع ركن عسكري وامني في النظام السوري. بمعنى ان حجم النتائج السياسية التي ترتبت على الادعاء على الاشخاص الثلاثة جاء منسجما او على قدر مواز لحجم الجرم المفترض، الذي يستند اليه في الادلة المضبوطة والاعترافات في التحقيق الاولي.

بيد ان فارقا واحدا في التوقيت فقط يبرز بين المطالبة السياسية باتخاذ الاجراءات اللازمة وانتظار نتائج التحقيق، هو امكان مرور التحقيق بعد بمراحل متدرجة اخرى قبل ان يبنى على الشيء مقتضاه. ذلك انه في حال ثبوت الاتهامات عبر التحقيق الذي يجريه المحقق العسكري فان ذلك يستتبع اصدار مذكرتي توقيف غيابيين باللواء مملوك والعقيد عدنان ومطالبة قضائية لبنانية للدولة السورية بتسليمها الى القضاء اللبناني وفقا للاتفاق الموقع بين البلدين. ناهيك عن مساءلة الدولة السورية في الاخلال بكل من البنود الثلاثة المذكورة آنفا. والرحلة لا تزال في بداياتها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل