ثلاثة أسماء جديدة انضمّت إلى عالم الإرهاب مع اتهام الوزير السابق ميشال سماحة، ومدير الأمن القومي في سوريا وعميد في الجيش السوري، بالتخطيط لتنفيذ اغتيالات وزعزعة الاستقرار في لبنان. التهم الرسمية الموجَّهة إلى سماحة، إلى جانب الادّعاءات المروّعة التي سرّبتها وسائل الإعلام، خطيرة جداً: تهريب متفجّرات من سوريا بهدف اغتيال شخصيات دينية وسياسية لبنانية، والتحريض على العنف والفتنة بين أبناء البلد لمصلحة الرئيس السوري بشار الأسد، تهم مثيرة للصدمة ويصعب استيعابها.
في حين أن الأدلّة في حق سماحة تكاد تكون واضحة، فان التحقيق جارٍ الآن للإضاءة على تفرعات هذه المؤامرة الإرهابية وعلى خلفيات هذه "الخدمة" المقدمة للسلطات السورية وتكلفتها على لبنان واللبنانيين. تاريخ لبنان حافل بالاغتيالات، واللائحة تطول ولا سيما منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2005. ليست جريمة سماحة موجّهة ضد بلاده فحسب. إنها جريمة شخصية أيضاً، ضد كل اللبنانيين أفراداً وجماعات. قُتِلت خيرة الأدمغة في لبنان بواسطة السيارات المفخّخة التي استُخدِمَت فيها عبوات مشابهة جداً لتلك التي عثر عليها في منزل سماحة، وربما كانت العبوات نفسها. على رغم أن أصابع الاتهام كانت توجَّه دائماً إلى سوريا وأنصارها في الداخل بعد أكثر الاغتيالات أو محاولات الاغتيال، أنكرت سوريا التهم دائماً. أما الآن مع ظهور الأدلة الجديدة، فسيكون من الصعب التهرّب من المسؤولية.
سوف يرغب اللبنانيون الذين فقدوا أصدقاء أو زملاء أو جيراناً أو أفراداً من عائلاتهم في العقود الماضية، في معرفة الحقيقة. سوف يطالبون بأجوبة. خسر لبنان رجالاً عظماء لمجرّد أنهم تجرّأوا على انتقاد الاحتلال السوري للبنان أو الامتناع عن دعمه: كانوا مفكّرين ومثقّفين وصحافيين وأشخاصاً مؤثّرين آمنوا بالحرّية وناضلوا من أجلها. ووقع أيضاً مارّة عاديون من مختلف مشارب الحياة ضحايا مخططات الكراهية التي هدفت إلى إسكات تلك الأصوات وترهيبها.
ليس مفاجئاً أن ميشال سماحة كان يخدم الأجندة السورية في لبنان. هذا كان اختصاصه، وهكذا عرفه عدد كبير منّا: يظهر على شاشات التلفزيون لمهاجمة أبناء وطنه الذين يؤيّدون خطاً سياسياً مغايراً لخطه، والدفاع عن سوريا ورئيسها وكأن حياته تتوقّف على ذلك. يسحب دفاتر ملاحظات من جيبه ليقرأ أسماء ويقدّم "أدلة" – أكثرها خاطئ ولا يحمل أي قيمة إلا أن هدفها الوحيد هو تحويل الانتباه عن سوريا. الآن بتنا نعلم ما كان وراء كل هذه التمثيليات التي أتقنها بشدّة. إنه متّهم بمخطّط تآمري شرّير ضد وطنه وشعبه. المفارقة هي أنها التهمة نفسها التي غالباً ما كان يوجّهها بوقاحة إلى الآخرين.
يتنفّس كثر الصعداء لأن ميشال سماحة أوقف واتهم وهو يخضع الآن لتحقيق دقيق. المقلق هو أننا لا نعرف ما هو عدد الأشخاص الذين ينفّذون مثله أوامر سوريا أو أي بلد أجنبي آخر بهدف إلحاق الأذى بلبنان المغلوب على أمره. كم من الأشخاص يستخدمون مكانتهم السياسية والديبلوماسية لتهريب مزيد من المتفجّرات والأسلحة مدفوعين بالهدف نفسه، ألا وهو زرع الفوضى لتحويل الأنظار عن المشكلات التي يتخبّط فيها الآخرون؟
إن كان سلوك ميشال سماحة يحمل من مؤشّر، فعلينا البحث عن السياسيين الكثيري الصراخ والبغيضين الذين يحبّون توجيه أصابع الاتهام إلى الآخرين لكنهم لا يفعلون شيئاً لوطنهم. فلنبحث عمّن يبدون مرتاحين جداً في إطلاق اتهامات لا أساس لها من الصحة، فيصفون خصومهم بمختلف النعوت ويعتمدون خطاباً فظاً بلا تحفّظ بدل الحجج السليمة. فلنبحث عمّن لا يفوّتون فرصة للدفاع عن دولة أجنبية في وجه أبناء وطنهم. ويحلو لهم عادةً أن يصفوا كل من يختلف معهم في الرأي بـ"الكاذب" و"الخائن" إلى جانب سلسلة من التوصيفات التحقيرية التي تحوّلت كليشيهات. وغالباً ما يستخدمون نعوتاً مهينة، وأحياناً بذيئة وغير مناسبة للنشر، في حق خصومهم.
حالياً تلزم تلك الأصوات الصمت. ولعل السبب هو أن الحقيقة، لسوء حظهم، ساطعة لا يرقى إليها الشك، ولا يمكن قول أو فعل أي شيء لتغيير مسار الأمور. ربما كانوا في استراحة كي يتشاوروا في ما بينهم ويستعدّوا لشن هجوم مضاد. ولكن ثمة أمر واضح: صمتهم يصمّ الآذان.