#dfp #adsense

كلهم “سماحة”

حجم الخط

"اليوم أجلس فوق سطح سفينتي
كاللص أبحث عن طريق نجاتي
اليوم تنتقم النهود لنفسها
وترد لي الطعنات بالطعنات"
نزار قباني

لا يغيب عن بالي ما قاله أحد توافه نظام الممانعة في لبنان بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وعلى محطة تلفزيونية تافهة، ومملوكة أيضاً من تابع تافه للنظام نفسه.
ما قاله يومها بالحرف: "أنا لا أعتقد أن سوريا قتلت رفيق الحريري، ولكن إذا ثبت بالأدلة بأن قرار الإغتيال كان سوريا، فعلينا أن نعرف لماذا أخذ هذا القرار"!

لقد مر هذا التصريح يومها، كغيره من آلاف زلات اللسان التي تعبر بوضوح عن الحقائق، دون أن يعلق أحد منا على معناه. ما عناه ذاك التافه يومها هو أن قيادة النظام في سوريا يمكن أن تأخذ القرار بإعدام أي إنسان ميدانياً عن طريق الإغتيال، لمجرد توفر الأسباب اللازمة لاتخاذ هذا القرار حتى وإن كانت تحمل نسبة عالية من الشك.

وأخطر المسوغات بالطبع، هو أن يكون لدى هذا النظام مجرد انطباع بأن شخصاً ما، أو مجموعة كبيرة أو صغيرة من البشر، قد تشكل نوعاً من الخطر المحتمل على قائد النظام. كما أن قرار الإعدام يمكن أن ينفذ بحق أي فرد أو مجموعة مهما كانت حيادية أو حتى مؤيدة للنظام لمجرد أن هذا الإجراء يمكن أن يخدم أبدية المتسلط.

ولو راجعنا سجل نظام آل الأسد ونظام حزب "البعث" في سوريا والعراق، لتأكدنا بأن مجازر لا حصر لها بين أبناء نفس النظام لمجرد الإنطباع، من قبل البعض الأكثر مكراً، بأن الآخرين يشكلون خطراً محتملاً على طموحاتهم.
ولا أحد منا يظن اليوم بأن صلاح الجديد أو محمد عمران، رفيقي حافظ الأسد ومعلميه، كانا أقل بعثية أو تقدمية أو إيماناً بالوحدة والحرية والإشتراكية منه، وكل الوقائع كانت تؤكد أنهما كانا أكثر صدقاً والتزاماً منه، ومع ذلك فقد أودع صلاح الجديد السجن لمدة أطول من بقية عمره، واغتيل محمد عمران لمجرد إحساس حافظ الأسد بأنهما قد يشكلان خطراً ولو هامشياً على أبدية تسلطه.

وهكذا كان عندما أعدم صدام حسين وقسماته تعبر عن منتهى "السماحة" العشرات من رفاقه المناضلين، أئمة حزب البعث في العراق، لنفس السبب في مسرحيات سوداء نقلت مباشرة.
وهكذا فعل الإمام الخميني رغم "سماحته" عشية استيلائه على السلطة بمناضلي "مجاهدي خلق" وغيرهم ممن سبقوه في مواجهة الشاه، لمجرد أنهم قد شكلوا خطراً على عصمته.
وهكذا أيضاً فعل ستالين بمعظم مفكري ومنظري ومناضلي البولشفيك، بالإضافة إلى بضعة عشرات من ملايين البشر، قتلاً وتشريداً وإبعاداً إلى "الغولاغ" (معسكرات العمل القسري) لمجرد إرضاء شكه المرضي بأن أحداً ما يتآمر على سلطته. وأذكر بأن ملايين الشيوعيين كانوا يرون في قسماته القاسية "سماحة" خاصة.

تهمة رفيق الحريري فقد كانت واضحة، وهي أنه كان يسعى علناً وسراً إلى الإنتقال بشكل سلس وغير صدامي بلبنان وسوريا من واقع البؤس والتخلف في الإقتصاد والسياسة، وهذا كان يستدعي حتماً زوال مشاريع التسلط الأبدي لزعماء القمع والإرهاب والهزائم. وتهمته الأخرى القاتلة هي أنه ساهم في إنشاء شراكة متعددة الجنسيات لدعم هذا المشروع وإخراج لبنان والمنطقة من واقع الإستخدام في مشاريع التخريب والإرهاب، وهذا يعني بالطبع نهاية مفعول الأوراق التي طالما استعملتها أنظمة التسلط لتأمين ديمومتها على حساب حرية البشر وكرامتهم.

على هذه الخلفية انطلقت يومها ألسنة العشرات من توافه منظومة الممانعة والمقاومة من سياسيين وصحفيين مزعومين، وهم كانوا وما زالوا من صغار كتبة التقارير التافهين ومرتكبي الأعمال القذرة لحساب تافه آخر هو ضابط في خدمة تافه أعلى رتبة منه ليصل إلى قمة التفاهة برتبة القائد الأعلى إن كان في سوريا أو في إيران.

هذه الألسنة يومها حضرت الأرضية لإغتيال رفيق الحريري من خلال سلسلة من التهم بالتآمر والعمالة إلى ما هنالك من جرائم عقوبتها الوحيدة في قانون المتسلط التافه الإعدام.

وعلى هذا الأساس كان قد بنى التابع التافه الذي ذكرته في أول المقال تحليله عن البحث عن مسوغات إعدام النظام السوري لرفيق الحريري، ولا بأس لو ذهب العشرات بل المئات وحتى الآلاف من الضحايا الجانبيين فداءً لديمومة سلطة المتسلط من قائد أبدي إلى وكيل معصوم.

بنفس الأسلوب بدأ "سماحة" ميشال بنسج الفبركة الإعلامية للمخطط الذي أمر بتنفيذه من خلال حديث عن نية تنظيم القاعدة القيام بعمليات في شمال لبنان، ومن البديهي القول الآن بأنه لو قدر أن نجح في فعلته لكان خرج لاحقاً على إحدى الشاشات ليقول بسماحة المتنبئ بالغيب "ألم أقل لكم؟!"

ولكن للأمانة، وبناءً على تفاصيل القضية، أعتقد أن هذه المهمة "البطولية في المقاومة والممانعة" كانت على الأرجح أولى مهماته في هذا المجال، مع أن له خبرة طويلة في كتابة التقارير ونسج الدسائس ونشر الأضاليل. يعني أن خبرته في تنفيذ العمليات الإرهابية متواضعة بدليل انكشافه وبالتالي اعترافه مباشرة بالجهة التي أمرته بتنفيذ هذه المهمة العظيمة.

الواقع هو أنه في تصنيف العملاء هناك اختصاصات متعددة، ويبدو أن الذراع الأمنية التي كانت تنفذ الأعمال القذرة لحساب النظام السوري في لبنان أصبحت إما خارج السيطرة أو أن لها خططها الخاصة. لذلك فقد تم اللجوء إلى تابع أقل خبرة، مما يشير إلى درجة التفكك واليأس الذي تعاني منه عصابة نظام الأسد هذه الأيام، ولربما أن منظومة الشر كانت مرتبطة مباشرة بواحد أو أكثر من المجرمين الذين تفجروا في وكر الأمن القومي في دمشق والذين نعاهم "سماحة" السيد وسماهم رفاق السلاح، ولا غرابة في ذلك فهم كما يبدو أبناء مدرسة واحدة.

إن التخبط الذي ظهر على ردات فعل قيادة حزب ولاية الفقيه في لبنان حول قضية سماحة تؤكد أنه على الأقل هذه المرة لم يتم التنسيق معها في الأمر لأسباب قد تعرف لاحقاً، ولكن ربما أيضاً أن عناصر التنسيق المخابراتي فجرت أيضاً مع "رفاق السلاح" أو أن هذا الحزب أصبح يعمل مفترضاً زوال شركائه في سوريا.

الواضح اليوم للعيان أنه لم ينبر للدفاع السفيه عن مجرم موصوف وإرهابي قبض عليه بالجرم المشهود إلا رفاقه بالدسائس، ولربما كان لسان حالهم يقول "لعنه الله فلو سلمت القضية لنا لكنا نفذناها على أكمل وجه". ولكن المؤكد هو أن هؤلاء التافهين والعملاء الصغار غاضبون ومرتعبون اليوم من انكشاف منظومتهم الإرهابية التي عاثت في الأرض فساداً على مدى عقود ساهم كل واحد منهم فيها حسب قدرته وموقعه وأحيانا اجتهاده، في تخريب لبنان وترهيب وقتل أحراره لحساب تافه برتبة قائد أعلى لمنظومة أو عقيدة تحترف القتل لضمان ديمومتها وغلبتها.

أما من ناحية أخرى، فبعد استكمال عناصر التحقيق، فإنه من واجب الدولة اللبنانية المطالبة بتسلم المطلوبين من سوريا مع أنه يكفي بأن نعرف بأن بشار قام بالإتصال شخصياً مع الكثيرين في لبنان للضغط لإطلاق سراح "السماحة" لنتأكد بأن المتهم الأول هو رأس النظام. إن هذا يستدعي مباشرة القيام بقطع العلاقات مع هذا النظام وطرد سفيره والتقدم بشكوى للأمم المتحدة.

ما يخشاه أبناء هذه المنظومة الإجرامية هو أن يقوم ميشال سماحة بفضح "رفاق السلاح" من خلال صفقة ما في جريمة تصل عقوبتها إلى الاعدام. والخوف اليوم هو أن يختفي ميشال سماحة بطريقة ما أملا في حماية رفاق كلهم "سماحة" وكم من "سماحة" تكها نظام الشر في هذا البلد؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل