حلفاء الأسد مرتبكون في كيفية التعاطي مع عملية إعتقال سماحة المباغتة والنوعية
إلتزام الصمت كموقف يرتكز على تجنّب المتغيّرات على الساحة السورية
يتعرض الحلفاء لنقمة من النظام السوري للقيام بما يلزم لإبطال كل مفاعيل الملاحقات القضائية ضد سماحة
وقع حلفاء النظام السوري في الداخل اللبناني في حيرة من أمرهم بكيفية التعاطي مع عملية إلقاء القبض على الوزير السابق ميشال سماحة، متلبساً بالجرم المشهود مع هذه الحمولة الثقيلة والزائدة من العبوات الناسفة المتعدّدة المهمات والأهداف الإرهابية، معزّزة بالاعترافات المذهلة والصريحة عن تلقيه تعليمات مباشرة من أرفع مسؤول أمني في النظام السوري اللواء علي مملوك، لتنفيذ سلسلة تفجيرات لاغتيال شخصيات سياسية مناوئة للنظام وإثارة الفتنة والقلاقل في هذه المرحلة الحسّاسة والدقيقة التي يمر بها لبنان والمنطقة عموماً، كون هؤلاء الحلفاء لم يتعرّضوا لاختبار مماثل من قبل، على اعتبار أن معظم عمليات الاغتيال السياسي والتفجيرات التي نفّذها عملاء النظام المذكور منذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تبعها، لم يُلقَ القبض خلالها على أي مرتكب متلبساً بالجرم مباشرة، وكانت تُطمس وقائعها تارة، أو يهرب المشتبه فيهم بارتكابها الى داخل المربعات الأمنية المحظورة، كما حصل مع المشتبه بهم بارتكاب جريمة اغتيال الحريري، أو الى داخل الأراضي السورية، ويبقى الفاعل بعيداً عن الملاحقة أو مجهولاً، في حين كانت مهمة هؤلاء الحلفاء أو معظمهم إدارة «جوقة» تبرئة النظام السوري من هذه التفجيرات الاجرامية، والقيام بمهمة مهاجمة ذوي الضحايا ومحبيهم وجمهورهم، كما حصل طوال السنوات السابقة، ولكن هذه المرة، اختلفت مهمة هؤلاء الحلفاء أو معظمهم لأنهم لم يكونوا مستعدين سلفاً لمثل هذه العملية النوعية والمباغتة، التي وقعت على معظمهم كالصاعقة ولم يستطيعوا القيام بأية ردة فعل فورية، عكس ماكان يحصل في الحوادث وجرائم القتل والإغتيال السياسي السابقة، باستثناء بعض الاصوات المذعورة التي لم يعد لها أي موقع أو دور في الحالة السياسية القائمة، في حين التزم معظم هؤلاء الحلفاء الصمت المطبق واعتمدوه كموقف سياسي معبّر مؤقتاً مما حصل في انتظار بلورة مزيد من المعطيات عن عملية اعتقال سماحة، لئلا يحسب اي موقع متسرع من قبيل الاخطاء المضرة ويجب تجنب الوقوع فيها في هذا الظرف الصعب والمعقد في لبنان والمنطقة على حدٍ سواء، بعد ظهور مؤشرات كثيرة عن تبدل الظروف السائدة بفعل الضعف المكشوف للنظام السوري أمام توسع الانتفاضة الشعبية السورية وسرعة تمددها في معظم المناطق السورية.
ولا شك أن عملية القاء القبض على ميشال سماحة على هذا النحو، وضعت معظم حلفاء النظام السوري أمام ثلاثة خيارات لا رابع لهم، الاول: مواجهة هذه العملية التي طالت شخصية من قلب النظام السوري وعلى هذا المستوى، بردة فعل تصعيدية على كل المستويات السياسية والشعبية واللجوء إلى عوامل الضغط المعهودة، ضد كبار المسؤولين السياسيين، كرئيسي الجمهورية والحكومة كما كان يحصل عندما إنسحب الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى رداً على موقفها من انشاء المحكمة الدولية، أو من خلال القيام بقطع منظم للطرق وتهديد مباشر لكل المسؤولين والقوى الامنية التي تولت تنفيذ هذه العملية النوعية والجريئة بكل المقاييس والمستويات.
ولكن ردة فعل من هذا النوع، لا بد وان تصنّف هذه المرة بأنها تأييد مباشر ومكشوف لمثل هذه العمليات الارهابية والاجرامية التي تضع لبنان في مهب الرياح من جديد، وقد تسبب بأزمة سياسية حادة ترخي بثقلها على واقع البلاد المتردي اصلاً، في حين ان هذه الحكومة بمعظمها محسوبة على هؤلاء الحلفاء ومن صفوفهم، والانتفاضة عليها من خلال اي ردة فعل غير محسوبة، سينقلب خسارة مدوية لحلفاء النظام في معظهم، وستضع اكثرية اللبنانيين في مواجهتهم، على اعتبار ان المخطط الارهابي كان يستهدف لبنان كله من دون استثناء.
أما الخيار الثاني، فهو التزام الصمت المؤقت على الأقل، لأن بعض هؤلاء الحلفاء ليسوا من مؤيدي مثل هذه الأعمال الإرهابية في الأساس، وكان صمتهم في السابق أو إصدار مواقف مدافعة عن النظام لم يكن الا بدافع تجنّب أي أعمال انتقامية ضدهم، في حين أن البارزين والمؤثرين من هؤلاء الحلفاء، يحسبون بدقة متناهية أي موقف مما يحصل والتروي في إعلانه من باب عدم التورط أو الغرق في مستنقع النظام السوري، لئلا يضاف الحماس الزائد في مثل هذه المناسبات إلى الرصيد الارهابي المكشوف لهؤلاء ويزيد من اثقال الملاحقات والمساءلات الداخلية والخارجية التي تنوء تحتها في الوقت الحاضر.
اما الخيار الثالث، فهو رسم خطة تحرك لممارسة أقسى ضغوط ممكنة على القضاء، كي يتهاون في ملاحقة سماحة أو يتساهل في أي حكم يصدر في حقه ويكون حكماً شكلياً، كما حصل في حالة إلقاء القبض على القيادي في التيار العوني فايز كرم بجرم التعامل مع إسرائيل، مع التركيز القوي على إخراج اللواء علي المملوك وأي مسؤول امني سوري متورط في هذه القضية من هذا الملف، بالرغم من صعوبة تحقيق مثل هذه الأمور نظراً لصلابة الأدلة وقوتها ووجود رغبة شعبية جامحة ومعارضة قوية لأي ضغوط تمارس على القضاء من هذا النوع أياً كان مصدرها.
إزاء هذه الخيارات الثلاثة وبالرغم من اعتماد حلفاء النظام السوري موقف الصمت المؤقت من هذه العملية، إلا أن هؤلاء يتعرضون في الوقت الحاضر لنقمة من النظام السوري نفسه للتحرك للقيام بما يلزم لإبطال كل مفاعيل الملاحقات القضائية ضد سماحة، وهم في الوقت ذاته لا يستطيعون القيام بمثل هذه المهمة كما كانوا يفعلون من قبل، لتغيّر الوقائع والظروف، وقد أصبحوا بالفعل في موقع «الحجر بين شاقوفين» كما يقول المثل العامي، واستمرار التزامهم الصمت أو الحياد للاعتبارات المعروفة يعني قناعة هؤلاء بعدم قدرتهم على قلب الوقائع من جهة وعلى التموضع مع المتغيّرات السياسية التي لم تعد تخفى على كل من يراقب الأوضاع في المنطقة وخصوصاً على الساحة السورية.