اذا كانت صدمة الوزير والنائب السابق ميشال سماحة نجمت عن صورة السياسي الذي خالف قواعد اللعبة وتورط في العمل الامني بل "الارهابي"، وفق الادعاء المرفوع ضده بموجب الادلة والاعترافات، فان هذه الصدمة راحت تنحسر تدريجاً مع بداية المسار القضائي ليتقدم او ليتصاعد في مواجهتها مسار آخر لعله اكثر إثارة للحمى التي فجّرها هذا الملف. هذا المسار يتصل ببداية تسليط الضوء على ملف سماحة من زاوية استقرائه كمحطة تحول كبير في واقع لبنان السياسي والامني على مشارف بلوغ الازمة السورية ذروة الانفجار وتدفق تداعياتها على لبنان. وعلى رغم نأي هذا البعد حتى الآن عن الخطاب السياسي المعلن لمعظم القوى السياسية في ما يعكس حذرها من تناوله قبل وصول التحقيق الى مراحل متقدمة، فان بعضاً من الكثير الذي أثير عقب توقيف سماحة استعاد شريط بعض المحطات والاحداث والتطورات التي شهدها لبنان في حقبات سابقة وكانت بمثابة "علامات أزمنة" على مراحل متحولة.
المفارقة في هذا السياق ان سماحة نفسه كان احد اللاعبين الذين اكتسبوا حيثية معينة في بعض تلك المحطات، لكن ملفه المطروح قضائياً الآن، ليس سوى شرارة ادت الى استعادة الربط ببعض ما كان له فيه حضور او دور او ببعض آخر قد لا يكون له فيه أي دور. والمهم في الحالين هو ان هذا الملف شكل عنواناً لاستعادة شريط يرقى بشهوده ولاعبيه، أيا تكن مواقعهم، كما بشهدائه وضحاياه، الى ما قبل اتفاق الطائف، نظراً الى ان الفعل الامني، واحياناً العسكري، كان غالباً ما يؤشر أو يرسم الاساس لمرحلة سياسية تليه وتقوم على نتائجه.
في ذاكرة الشهود على أكثر من ثلاثة عقود طبعت بهذا النمط الذي حكم لبنان، ان "الاتفاق الثلاثي" الشهير عام 1985 كان شرارة الزلازل الكبرى التي دهمت آنذاك المعسكر المسيحي بفعل الانتفاضات المسلحة على خلفية التحكم بالقرار المسيحي من خلال العلاقة بسوريا. بدأ الصدام المسيحي في تلك الحقبة بانتفاضة ايلي حبيقة داخل "القوات اللبنانية"، وكان سماحة انتقل الى معسكر حبيقة وافضى الامر الى ابرام "الاتفاق الثلاثي" كاتفاق انقلابي على عهد الرئيس امين الجميل و"الجبهة اللبنانية"، لكن الانتفاضة المضادة لسمير جعجع عليه اجهضته واسقطت جناح حبيقة واخرجته من "المناطق الشرقية". كان الفعل العسكري والامني آنذاك نذير مرحلة حربية مدمرة جرجرت ذيولها الى نهاية عهد الرئيس الجميل ونشوء "الفوضى" التي حذر منها الموفد الاميركي ريتشارد مورفي وصولا الى ذروة الزلزال المسيحي في "حرب الاخوة" بين العماد ميشال عون وسمير جعجع.
بعد الطائف شكل تفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994 شرارة حقبة امنية أدت الى تسليط حكم الجهاز الامني السوري – اللبناني المشترك بقوة ساحقة على البلاد بعد اعتقال قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع. ذروة المفارقة التي لا تزال عالقة حتى اليوم هي أن جعجع دين بملفات اخرى بعد سقوط اتهامه بتفجير الكنيسة، وظل المفجر "مجهولا" وقبع المتهم 11 عاما في السجن بملفات لا تزال ظروف محاكمته فيها تحت وطأة الطعن بالمحاكمين والحاكمين.
بين عامي 1994 و2004 عقد كامل استتب الوضع فيه للواقع الناشئ تحت احكام الوصاية السورية. تحول مسار الصراع في تلك الحقبة مع محاصرة معارضي الوصاية وقمعها، ونشأ صراع مختلف داخل السلطة السياسية بدأ يتشكل فيه محور مناهضي الحريرية في مواجهة الرئيس رفيق الحريري. هذا الجانب، الى تصاعد الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان وصولاً الى التحرير عام 2000، نأى بالواقع الداخلي الى حد ملحوظ عن نمط الاحداث الامنية الكبيرة في الداخل فبدا معها في ظل هدنة.
وكان عام 2004 في خريفه نذير العودة الى النمط اياه. بدأ الامر مع التمديد للرئيس اميل لحود ومن ثم محاولة اغتيال مروان حماده، ثم حصل الزلزال مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري. عادت الاغتيالات لتشكل العنوان القائم لإغراق لبنان في احدى اعتى حقباته شراسة مع هجوم منهجي قلما عرفه بلد في تصيّد نخب سياسية واعلامية وحزبية بوتيرة مذهلة لم تحط رحالها نسبيا الا مع تشكيل المحكمة الدولية. ولكن الاغتيالات كفعل ارهابي – أمني رسمت علامة زمن متحول ضخم بدأ مع انسحاب القوات السورية من لبنان ووضع حد لعقدين على الاقل من الوصاية المباشرة السياسية والعسكرية – الامنية على لبنان.
مع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، اي قبل سنة وخمسة اشهر، لم يكن غريبا ان تنتصب المخاوف بقوة على لبنان من جراء هذا الحدث التاريخي. مرر لبنان شهوراً عدة بحد معقول من التداعيات عليه، لكن مؤشرات الاهتزاز بدأت بالتصاعد مع الوضع الشديد الاضطراب على الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا. وبموازاة الازمة الحدودية المتصاعدة لم تكن توترات الداخل أقل حدة ولو مضبوطة بخيوط حمر لا تزال "محترمة" بشق النفس. زمن متحول يشق طريقه ايضا الى لبنان، كان من علاماته عودة محاولات الاغتيال عبر استهداف جعجع في معراب والنائب بطرس حرب وتهديد آخرين. ثم انفجر ملف توقيف سماحة بكل ما يختزنه من وقائع وادلة واعترافات وعودة عن بعض الاعترافات وما الى ذلك، والطريق في بدايتها. لكن الدلالات الرمزية هذه المرة قد تكون معاكسة لكثير من السوابق ولو ان الحكمة تملي الانتظار وتجنب التسرع.