تتوالى الاحداث في لبنان ومحيطه الاقليمي، بشكل متسارع وكبير الدلالات، مما يؤشر الى قرب ولادة مرحلة جديدة ومتغيرات تاريخية أكيدة على مستوى المنطقة، ليس لبنان طبعاً في منأى عنها.
فالضربة القاصمة التي تلقاها النظام السوري باغتيال كبار أعمدته الأمنية اعضاء خلية الأزمة، وتطور الاوضاع الميدانية في البلاد معطوفة عليه المواقف الدولية المتقدمة، وغيرها الكثير من المؤشرات، أمور بدأت تشي بقوة بالتحولات العميقة الآتية.
وكذلك على الصعيد المحلي، حيث كان وقع توقيف الوزير والنائب السابق ميشال سماحة وما كشفه التحقيق معه من معطيات ووقائع، ربما أكثر هولاً من المخطط الاجرامي نفسه. كما ينتظر ان تشكل التداعيات السياسية الناجمة عن ذلك وما سيليه من مفاجآت، خطوة إضافية متقدمة على طريق التحولات المأمولة.
ماذا يعني كل ذلك؟
طبعاً يعني وفي مبادرة أولى بديهية، ان على الجميع التأمل في معاني ما يجري ونتائجه، واعادة النظر في ضوء ذلك، بالمواقف السياسية المتخذة سواء على مستوى القيادات او على مستوى القواعد، بعد استخلاص العبر من التجارب السابقة وبناء المواقف على أساس علمي وطني لا كيدي وشخصي. اذ بهذا فقط نقرّب مسافات التوافق على القواسم المشتركة، ونضع الأسس المتينة لبناء الوطن الحلم.
وعليه، ادعو الصادقين والوطنيين حقاً في التيار الوطني الحر، ممن ضللوا فضلوا الطريق الصحيح، الى اغتنام الفرصة اليوم لاجراء هذه المراجعة الدقيقة والشاملة واعادة التمسك بالاتجاه القويم للبوصلة السياسية، ولتبن على ذلك المواقف والالتزامات، مما يتيح عندها التوافق ودمج الجهود لتحقيق الأفضل.
أن مواقف رئيس التيار الوطني الحر طالما كانت متقلبة وديماغوجية، فهو دعا الى السيادة والاستقلال وعقد اتفاقات مشبوهة رافقت عودته الى بيروت من منفاه الفرنسي.
وهاجم التحالف الانتخابي مع "حزب الله" عام 2005 وبنى على انقاضه تحالفاً استراتيجياً كلّف لبنان الاثمان الغالية ولا يزال. ورفع التغيير والاصلاح شعاراً، ليشهد لبنان في اثناء حكم وزرائه أسوأ فصول الفساد والفوضى والتخبط السياسي والاداري.
يضاف الى ذلك دفاع عون المستميت عن النظام السوري المتهاوي وزرعه الشك والخوف في نفوس المسيحيين تحقيقاً لذلك، كما دفاعه الدائم عن جميع الممارسات الخارجة عن منطق الدولة، وتبريره للسلاح وللممارسات الشاذة، اذا أتت من حلفائه، بل تبريره حتى أفعال بحجم ما كان يخطط لتنفيذه سماحة، وإن جاء ذلك التبرير عبر مساعدين ومؤيدين. ويثبت خطأ هذه السياسات، تراجع مؤيدي العماد عون باطراد منذ العام 2005 حتى اليوم.
والأدهى من ذلك، محاولات عون المتكررة اللعب بتاريخ لبنان والموارنة بوجهيه المكاني والسياسي، ينقل حقيقة التجدر. الماروني من قنوبين في لبنان الى براد في سوريا، وإن في ذلك انتهازية في السياسة ونسفاً للتاريخ. اذ إن تاريخ الموارنة بحسب كل المؤرخين، هو قصة ارتباط وثيق ولصيق، بين شعب وأرض ونضال دائم من أجل الكرامة والحرية وتثبيت العقيدة، وليس مجرد انطلاق غير متفاعل في الزمان والمكان.
بناء عليه، وضناً منا بالطاقات المتوافرة لدى العديد من مؤيدي العماد عون، واغتناماً للفرصة التي لا تزال سانحة، بل تبدو اليوم اكثر الحاحاً من اي يوم مضى، واستناداً الى الاعتبارات البارزة السابقة الذكر، اتوجه بكتابي هذا الى جميع العونيين الشرفاء ممن لم ينغمسوا في الحقد وملحقاته، بل كانوا كما الابن الضال الذي دعاه الرب الى وليمته الالهية، داعياً إياهم الى التفكير ملياً، واجراء قراءة علمية عملية مجردة لكل ما يجري.
وفي ضوء ذلك اتخاذ القرار الجريء بالعودة الى جبهة الذود عن مصالح أهلهم ومستقبل ابنائهم، او بالمعنى الشائع اليوم، الانشقاق عن هذا الخط المؤدي الى الهاوية، والالتحاق بمسيرة البناء المتنامية. وإن ايدينا وقلوبنا مفتوحة للترحيب بالسواعد الآتية للعمل حيث الزرع وفير والفعلة قليلون.
وبعد فان الجميع على استعداد لشبك الأيدي ورص الصفوف ودمج الطاقات، لتفويت فرص زعزعة استقرار لبنان على المتربصين به شراً، وبدء ورشة البناء التي طال انتظارها، لرفع صرح وطننا منيعاً في وجه كل العواصف مهما كانت عاتية، وشامخاً بما يتناسب مع حضارة هذا الشعب ورسالة هذا الوطن – الرسالة.