#dfp #adsense

التدخّل الإيراني مناسبة لتجذير الطابع التحرّري للثورة السورية

حجم الخط

تتفاوت التقديرات حول المدى الذي بلغه انغماس عناصر من "حزب الله" ومجموعات مسلّحة لبنانية أخرى في الإشتباكات الميدانية في سوريا إلى جانب قوّات النظام ومجموعات الشبيحة. تتراوح بين "حدّ أدنى" و"حدّ أقصى". من يرجّح انحصار الإنغماس في الحدّ الأدنى يقول إنّ الحزب "يتحكّم إلى الآن" بما هو مطلوب منه ايرانيّاً وسوريّاً، ولا يؤمّن كل ما هو مطلوب منه من عديد، حرصاً منه بالدرجة الأولى على تماسكه التنظيميّ الداخليّ، وعلى معنويات مقاتليه، وعلى عدم قطع شعرة معاوية مع حركة حماس والفلسطينيين. ومن يرجّح اتساع مدى الإنغماس وصولاً إلى الحدّ الأقصى، يذهب بخلاف ذلك، إلى إرجاع هذه المشاركة "اللبنانية" إلى جانب النظام إلى بدايات الثورة، أي إلى مرحلة قمع المتظاهرين السوريين العزّل، وانتقالاً إلى مواجهة "الجيش السوريّ الحرّ"، كما أنّه سبق لأمنيي ومسلّحي الحزب أن خاضوا مثل هذه التجربة "الأممية" في ايران عام 2009 عندما شاركوا في قمع "الثورة الخضراء"، وهو موضوع ما زال الأوفياء لهذه الثورة المهزومة يشدّدون عليه، وبإلحاح، إلى اليوم.

وما بين الحدّ الأدنى والحدّ الأقصى للتقديرات حول انغماس عناصر من "حزب الله" ومجموعات مسلّحة لبنانية تابعة له في قمع الثورة السوريّة، تسود أكثر فأكثر اجماع استخباراتي دوليّ حول حقيقة هذا الإنغماس، وحول ارتفاع منسوبه في الأسابيع الأخيرة، وتحديداً في أعقاب تفجير "خلية الأزمة" في سوريا، وبشكل متناغم مع استقدام وحدات مزيدة من ميليشيات "الباسيج" و"الباسدران"، ومنها وحدات خاصة مكلّفة بأمن الرئيس السوريّ والمسؤولين الفعليين الرئيسيين في نظامه، ما يذكّر بشكل أو بآخر، بالحماية الألمانية الخاصة التي فرضها النازيّون على بنيتو موسوليني ومساعديه في أيّام "جمهورية سالو" السيئة الذكر في الشمال الإيطاليّ.

وهذا يزيد من التحديات المفروضة على الثورة السوريّة. ففي الإستراتيجية الإيرانية، هذا التدخّل، بهذا الشكل، هدفه إطالة أمدّ النزاع المسلّح في سوريا لأطول مدى ممكن، وتحويل سوريا إلى ساحة المواجهة الرئيسية في المنطقة، بل أنّ هذا يستقيم في هذه الإستراتيجية مع محاولة إبعاد شبح الحرب التي يمكن أن تتعرّض لها إيران، إذ تراهن هذه الإستراتيجية على أنّه لا حرب دولية أو غير دولية متاحة على ايران طالما الحال تزداد تدهوراً وتعقيداً في سوريا.

وإلى هذا التحدّي الإستراتيجيّ، هناك التحدّي الطائفيّ – الأيديولوجيّ: فاتساع رقعة تدخّل "الباسدران" و"حزب الله" في سوريا، سيعزّز الشعور بأنّ منظومة مذهبية أيديولوجية اقليمية شاملة تستهدف أكثرية الشعب السوريّ، وبشكل طائفيّ، واستئصاليّ. ويتناغم ذلك مع الشعور بأنّ الدول الداعمة لثورة الشعب السوريّ تتحرّك أيضاً ليس فقط انطلاقاً من مبادئ مجرّدة، أو مصالح حيوية، بل أيضاً وفقاً لـ"أخوّة مذهبية" تجمعها إلى أكثرية الشعب السوريّ.

كل هذا يفرض على الثورة السوريّة، وتشكيلاتها الإئتلافية، الجمع بين مقاربتين في وقت واحد.
فمن جهة، هذه لم تعد ثورة على نظام آل الأسد البعثيّ الفئويّ فحسب، بل أيضاً ثورة ضدّ التدخّل "الباسدرانيّ".

ومن جهة ثانية، فإنّ هذه الثورة ينبغي أن تجذر طابعها النقيض لمناخات الفتنة المذهبية، الآن أكثر من أي وقت مضى، وتحديداً لأن التحدّي الإستراتيجيّ بات على هذا الجانب من الخطورة. فإذا كان التدخّل الإيرانيّ يقيّم الوضع حالياً على أنّ نظام آل الأسد ميؤوس منه ولا يمكن الابقاء عليه طويلاً انما يمكن اطالة أمد الحرب الأهلية إلى سنوات، فعلى قوى الثورة بناء الردّ الوطنيّ المقابل: سقوط نظام آل الأسد لن يكون لحظة من لحظات حرب أهلية لا تنتهي، بل نقطة الإنطلاق لسوريا ديموقراطية، ومسالمة، يعاد إعمارها، في مناخ الربيع العربيّ الكبير.

وهذا يتطلّب سياسة ثقافية موحّدة للثورة السوريّة ضدّ كل النزعات والإنفعالات المذهبية، وبالذات تلك التي ظهرت مؤخّراً في صفوف بعض الثوار. يستدعي ذلك الجمع بين شعار "واحد، واحد، واحد، الشعب السوريّ واحد"، وبين الإقرار بأهمية التعدّد، ثم التعدّد، ثم التعدّد، وعلى كافة الأصعدة، التعدّدية السياسية كما الثقافية، الدينية كما الإثنية كما المناطقية. أيضاً، لا بدّ من خطوة جريئة، وواضحة، بإتجاه اعتراف المذاهب الإسلامية المختلفة في سوريا ببعضها البعض وبانتسابها إلى العائلة الإسلامية المتعدّدة، ما يسحب نهائياً أي أرضية سانحة بالتكفير والتنجيس.

ان التدخّل الإيراني المتمادي، مع تسجيل تفاوت التقديرات حول انغماس "حزب الله" نفسه في الأمر، يمكن أن يتحوّل إلى لحظة ثورية بامتياز، لحظة تستدعي من كافة القوى المنخرطة في عقدة الثورة السورية تجذير طابعها الوطنيّ التحرّريّ، أوّلاً لأنّ النظام لم يعد فقط نظاما فئويّا للإستعمار الداخليّ، ويستخدم تقنيات موروثة من الزمن الكولونياليّ، بل أصبح أيضاً جثّة نظام محفوظة في برّادات "الباسدران" المتحرّكة. وثانياً، لأنّها مناسبة للحسم، بإتجاه واضح نحو المواطنية السورية الكاملة كقاعدة للثورة السوريّة في وجه النزعات المذهبية التفتيتية من جهة، وفي وجه المكابرين الذين ينادون بدولة مركزية لا مكان فيها لعيش التعددية كما هي في واقع الحال. وباختصار هنا، هي مناسبة للإنتقال مما أسماه الإخوان المسلمون السوريّون "عهداً" في بيانهم النوعيّ قبل أشهر، إلى ما يمكن أن يكون "عقداً"، وعقداً وطنياً اجتماعياً تأسيسياً للسوريين، لصدّ الهجمة الإيرانية والإنفعالية المذهبية في آن.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل