كتبت باسكال بطرس في "الجمهورية":
نظراً إلى أنّ الهاجس الأهم اليوم يتعلّق بموجة بيع المسيحيين لأراضيهم، ما يهدّد الوجود المسيحي الفاعل في لبنان، في حال لم تُتخذ، وبسرعة قصوى، الإجراءات الضرورية لوقف الهجمة الممنهجة عليهم وعلى وجودهم، تنشغل النخبة من المسيحيين في سعيها لإيجاد حلول فعّالة وحاسمة للحؤول دون استمرار الجدل حول هذه الكارثة والتصدّي لعدد عمليات البيع والشراء الهائل.
عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب جوزف المعلوف، كان من بين المبادرين لإيجاد حلول لهذا الموضوع، من خلال تقدّمه باقتراح قانون الى مجلس النواب يرمي الى تقييد عملية بيع العقارات التي تتجاوز مساحتها حدّا معيّنا.
"ظاهرة بيع الأراضي" لا تعرف حدوداً، ما يستدعي تنظيم قانون في عملية البيع والشراء المحلي داخل البلد، وردّ الحق الى المجالس البلدية والقرى للمحافظة على أملاكها". هذا ما قاله المعلوف لـ"الجمهورية"، مؤكدا أن "لا علاقة للاقتراح الذي تقدّمتُ به بأي انتماءٍ طائفي على الإطلاق، فلا لون ولا طائفة له، لأنني انطلقت في مقدّمته من مبدأ دستوريّة حقّ الملكية والمحافظة على الملكية من دون أي تعطيل للدورة الاقتصادية، ما يؤمّن حماية دستورية للجميع"، مشدّدا على حرصه على "المحافظة على الفسيفساء اللبنانية".
وشرح المعلوف أنّ "ما يخضع لأحكام هذا القانون هي عقود البيع التي تجري على العقارات غير المبنيّة والتي تزيد مساحتها عن 3000 م2، سواء كانت هذه العقارات ممسوحة أم غير ممسوحة، في حين يُستثنى من الخضوع لأحكام المادة الأولى أعلاه عمليات البيع والشراء التي تقوم بها الدولة أو البلديات أو تلك التي تجري بين الزوج والزوجة أو بين الأصول والفروع لغاية الدرجة السادسة".
وتابع: "وفي هذا السياق، يتوجّب على صاحب الملك في العقار المُراد بيعه إبلاغ المجلس البلدي حيث يقع العقار بعملية البيع والثمن، وإمهاله مدة محددة لممارسة حقه باستملاك العقار لصالح المنفعة العامة مقابل بدل عادل، أو شراء العقار المراد بيعه عبر ممارسة حق الشفعة أو تأمين مشتر للعقار من أبناء البلدة الذين يملكون عقارات مجاورة للعقار المراد بيعه، وبنفس الشروط والسعر المعروض. وإلّا يكون لزاماً على المجلس البلدي الموافقة على عملية البيع، ويعدّ سكوته بعد انقضاء المهلة بمثابة قبول بالبيع".
وإذ لفت المعلوف إلى أنّ "موقف المسيحيين اليوم شبيه بموقف المسلمين في الثمانينيات، إذ إنّ الهجمة على شراء الأراضي في ذلك الوقت كانت "مُفتعلة" من قِبَل المسيحيين الذين كانوا أكبر المتموّلين، وذلك من خلال مخطّطٍ مدروس لشراء أراضي المسلمين"، رأى المعلوف أنّ "اقتراح القانون هذا يهدف إلى المحافظة على التراث والتعدّدية المناطقية، فضلاً عن إيجاد حلّ يكفل الإبقاء على الملكية الفردية وتأمين ممارسة الأفراد للحريات التي كفلها الدستور والقوانين". أضاف: "وفي المقابل، يرمي القانون إلى الحد من الفوضى العمرانية في القرى وتقييد عملية المتاجرة بالأراضي، من دون أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بالمالكين أو إلى الحدّ من حرياتهم. وذلك رغبة وإيمانا بضرورة العمل على حفظ العيش المشترك وصيانته بين أبناء الوطن الواحد وتجنباً لأي تغيير ديموغرافي أو تحوير في استعمالات الأراضي عبر تحويل القرى الصغيرة إلى أماكن للتجمعات السكانية المشادة من دون مراعاة لأبسط المعايير الفنية والهندسية والبيئية والجمالية المطلوبة".
وإذ أشار إلى أنّ القانون "يمنح في هذا الإطار، المجالس البلدية المنتخبة صلاحيات إضافية انطلاقاً من مبدأ اللامركزية والإنماء المتوازن، فتمارس السلطة المحلية ضمن نطاقها بما فيه وضع السياسة الإسكانية والعمرانية ضمن النطاق البلدي والحد من فوضى العمران غير المنظم الذي يؤدي إلى تشويه جمال القرى والإضرار بالبيئة، الأمر الذي ينعكس تمكيناً للشعب من مباشرة شؤونه المحلية الإدارية، كون السلطة المحلية أكثر معرفة بحاجات إقليمها ومرافقه والأقدر على تأمين حسن سير المرافق العامة المحلية، متجنبة الإبطاء والروتين في أداء عملها نظراً لقربها واستجابتها السريعة إلى تحقيق مستلزمات حسن سيرها".
وأضاف: "بقدر ما نحرص على التراث والتعدديّة الموجودَين في كلّ منطقة وبلدة لبنانية، بقدر ما نحافظ على الوطن الرسالة. وبالتالي فإنّ إعطاء البلديات بعض هذه الصلاحيات يؤمن الحفاظ على المصلحة العامة"، موضحاً "انّ من أولى هذه الصلاحيات هي صلاحية ممارسة حق الشفعة على بعض العقارات ضمن النطاق البلدي، وذلك عبر إعطاء المجلس البلدي الحق في شراء العقارات الواقعة ضمن نطاقه عبر ممارسة حق الشفعة هذا سواء لصالح البلدية أو لصالح تنفيذ سياستها العامة للاستثمار والتخطيط". ولفت المعلوف إلى أنّ "محامين أشرفوا على الدراسة القانونية للاقتراح الذي يلقى دعم كلّ من حزب "القوات اللبنانية" ونواب كتلة زحلة"، معرباً عن أمله "في أن يحيل الرئيس نبيه برّي هذا الاقتراح الى اللجان النيابية، وأن يحظى بدعم جميع الكتل السياسية".
وفي حديثه لـ"الجمهورية"، قال عضو المجلس التنفيذي في الرابطة المارونية طلال الدويهي إنّه "تمّ تقديم اقتراح القانون هذا إلى الرابطة أولا، ومن ثمّ عُرض على طاولة بكركي خلال الاجتماع مع لجنة التنسيق والمتابعة النيابية"، مؤكّداً أنه "اقتراح متماسك ومرحّب به، فهو يضع حدّا لعمليّات البيع المبرمجة خارج إطار السقف الطائفي، ولكن في الوقت نفسه ضمن إطار السقف القانوني". ورأى الدويهي أنه "المشروع الأنسب بين كلّ المشاريع المطروحة، وبالتالي يُتوقّع أن يحظى بتأييد فئة كبيرة من اللبنانيّين"، لافتا إلى أنّ النائب هادي حبيش "عضو لجنة التنسيق وعضو كتلة "المستقبل" أبلغني بعد اجتماع اللجنة في الصرح البطريركي أنّ اقتراح المعلوف جيّد ولقد حظي برضى المجتمعين، ولكنه يحتاج بعض التعديل".
الأرقام "تغلي" والديموغرافيا في خطر… وفي انتظار اتفاق جامع على صيغة اقتراح المعلوف في إطار تفاهم وطني على معالجة هذه المسألة، يبقى السّؤال: هل سينجح الإقتراح، في حال اعتماده، بالحَؤول فعليّا دون استمرار الجدل حول بيع الأراضي وإيقاف هذه الظاهرة؟