كتبت صحيفة "المستقبل" في عددها الصادر الاربعاء 15 آب 2012:
لم يستفق بعد فريق سوريا في لبنان من صدمة توقيف الوزير والنائب السابق ميشال سماحة، ولم يهضم نجاح جهاز أمني لبناني في مراقبة المنظر الأمني والسياسي للرئيس السوري بشار الأسد، وإحباط المخطط الذي كاد يودي بلبنان الى بحر من الدماء لو قيض له النجاح.
التسريبات التي تناقلتها وسائل الإعلام عن اعترافات سماحة وما قيل عن تسجيلات بالصوت والصورة لعملية نقله المتفجرات من مرآب منزله وتسليمها الى ميلاد كفوري من أجل الانصراف الى تفجيرها في أهداف محددة في عكار، وتسديد مبلغ 170 ألف دولار كأجر اللذين سيتولون أعمال التفجير، كانت أكبر مما تتحمله مخيلة هؤلاء، فسارعوا الى اختلاق التركيبات الإعلامية في هجمة شرسة على شعبة المعلومات وعلى رئيسها العميد وسام الحسن وصولاً الى مؤسسة قوى الأمن الداخلي ومديرها العام اللواء أشرف ريفي، رداً على ما أسموها عملية الاستدراج والإيقاع بسماحة.
عجز فريق الدفاع عن سماحة عن تحقيق أي إنجاز، ترجم بهروب آخر الى الأمام عبر توزيعه معلومات لوسائل إعلام الثامن من آذار، عن تقديم دعوى ضد ريفي والحسن من دون أن يكلف نفسه تحديد المرجع القضائي الصالح الذي قدمت الشكوى أمامه، وهو إخفاق أضيف للإخفاقات السابقة، بحيث لم يثبت صحة هذا الادعاء حتى الآن، وحتى لو ثبت فإنه لن يغيّر شيئاً في واقع الأمر لأن هذين الشخصين ليسا مسؤولين عن التسريبات، كما أن تسريب معلومات سواء كانت صحيحة أم غير صحيحة، فهي لم ولن تؤثر على مجريات القضية ولم تبدل شيئاً في مسار القضية.
وما انفكت هذه الماكينات الإعلامية عن إثارة المزيد من الغبار حول القضية حتى لا تؤثر على قناعات جمهورهم الآخذة في التبدل، لكن ما رشح عن جلسة استجواب السياسي المحنّك أمام قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا قلبت المفاهيم رأساً على عقب وأصابت الفريق السوري بالإحباط، بعدما تيقن محامو الدفاع أن عبقرية ميشال سماحة ودهاءه في المناظرات الإعلامية لم تكن هي نفسها أمام قاضي التحقيق، لأن حنكته تبخرت أمام الكم الهائل من الأدلة والمعلومات والقرائن الموثقة في ملفه.
كيف تصاعدت الحملة المضادة لفريق الدفاع عن سماحة، وكيف تبددت؟
فقد كشفت مصادر متابعة أنه عند الساعة الثامنة من صباح الإثنين الماضي، وقبل ثلاث ساعات من بدء جلسة الاستجواب، كان المحاميان يوسف فنيانوس ومالك جميل السيد وصلا الى المحكمة العسكرية وباشرا اتصالاتهما، وإشاعة الأخبار والمعلومات التي تشير الى أن ما سرب عن سماحة في الإعلام من اعترافات سيتبدد في جلسة التحقيق، وبغض النظر عن قدرة فريق الدفاع عن مقابلة موكلهم قبل الجلسة أو عدمه، فإن العمل كان جارياً على مسارين، الأول أن يمثل المحامي فنيانوس مع سماحة أمام قاضي التحقيق، والثاني أن يتولى مالك السيد التواصل مع وسائل الإعلام المنتظرة في الخارج.
بالفعل ما إن بدأ الاستجواب حتى بادر السيد الى الاتصال بقناتي "المنار" التابعة لـ"حزب الله" والـ"أو تي في" التابعة للعماد ميشال عون، وأبلغهما أن سماحة تراجع عن اعترافاته لأنها انتزعت منه تحت الضعط النفسي، في تكرار لمشهدية حليفه فايز كرم الذي أدين بالعمالة لإسرائيل، وما هي إلا لحظات حتى سرّب الى هاتين المحطتين معلومات تتحدث عن مفاجأة خلال الجلسة، ربما تتمثل بإخلاء سبيل سماحة والإعلان أن المحامي فنيانوس سيخرج بعد الجلسة ليتحدث للإعلاميين في الخارج ويعقد مؤتمراً صحافياً يفجر فيه هذه المفاجأة، غير أن جبل الوهم الذي صنعه هذا الفريق انهار أمام أسئلة قاضي التحقيق وتأييد سماحة لما ورد في التحقيق الأولي، ولكن حفظاً لماء الوجه وبدل أن يفي فنيانوس بوعده للإعلام جرى الاكتفاء بخروج مالك السيد ليقول "إن أجواء التحقيق كانت إيجابية، الا أن التسريبات أضرت بالتحقيق". واللافت أن مالك السيد تهرب من إجابة على سؤال واحد ردده الإعلاميون مراراً عما إذا كان سماحة تراجع عن اعترافاته، مكتفياً بتوزيع الابتسامات الصفراء، ومسح العرق المتصبب من جبينه، خاتماً بدعوة الإعلاميين الى انتظار نتيجة التحقيق ليعلن الموقف النهائي.
لكن الموقف النهائي الذي طالما انتظره الإعلاميون تحت أشعة الشمس الخارقة، ترجمه المحامي فنيانوس باستدعاء سيارته الى بوابة المحكمة العسكرية حيث خرج من مكتب القاضي أبو غيدا ومعه مالك السيد واستقلا السيارة وانطلقا فيها على عجل، تاركين الإعلام التابع لحليفهما يتخبط بتسريباتهما التي لم يجد ما يبررها حتى الآن، فيما كان مشهد المحامي الزغرتاوي المتجهّم خير دليل على صعوبة وضع الموكل والمأزق السياسي الذي أدخل فريقه فيه.