#dfp #adsense

…وعاد الوطن الى الحقيبة (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

الرعايا العرب يهربون تباعا من لبنان. أنت عربي اذن أنت مطلوب! يرحلون تباعا وكأنهم متّهمون هاربون من وجه العدالة! ولكن أي وجه وعدالة من؟ من يرسم خطوط القانون في لبنان؟ من هو صاحب الحق ومن المحقوق فعلا؟ صار الخاطف يدين والمخطوف مدان، الخاطف نجم تلفزيوني والمخطوف مذنب معلّق على حبل المواقف السياسية.

المخطوفون اللبنانيون في سوريا ، قضية محقّة مئة في المئة لا جدل في ذلك، لكن هل يسدد شعب بأسره ووطن بالكاد صرنا نتلمّسه، فاتورة كل هؤلاء ولا ناقة لهم ولا جمل؟

انا مواطنة جلست الى شاشات التلفزيون أراقب الجنون المنهمر، النار المشتعلة، رياح الفتنة وهي تغمر البلاد بشهوة غريبة. أسال، ولا يمكن الاّ أفعل، أسأل عن مئات مئات المعتقلين المغيبين في المعتقلات السورية ومنذ سنين وسنين، لكن لم يُقفل من أجل هؤلاء ولا مرّة ولا مرّة طريق، لم يُشعل اطار، لم نسمع تهديدا ولا وعيدا من أحد، أهاليهم حملوا الدمع المرّ المالح، حملوا الالم، الالم الذي يعتصر الوجدان، الذي يذيب القلب، الالم الذي ينخر كالسرطان في العظام، وجلسوا في خيمة، في خيمة وحيدة يا عالم أمام مبنى الاسكوا، وضعوا الصور، الاحباء الذين صاروا صورا، جالسوها من سنة لسنة لسنة، وراحوا يناجون ويناجون العالم وما من مجيب حتى الان. حتى الان لا صدى للاصوات المخنوقة بالحسرة، ولا جواب، ولا حتى مجرّد اشارة توحي ببارقة، بطيف، بحلم أمل…

ما حصل بالامس أدخلنا الى صراع نفسي كبير مع حالنا، دفعنا الى سؤال أصبح بدهيا، هل أخطأنا بحق هؤلاء المعذبين الشهداء الاحياء؟ هؤلاء هم الشهداء الاحياء فعلا، الاهالي. هل كان يجب أن نقفل طريقا ونهدد رعايا ونسدّ المنافذ أمام زوار العالم، ونجعل من أهم المرافق الحيوية في لبنان، المطار، ورقة ضغط حارقة ليعود الغياب، أو على الاقل، لنعرف خبرا عنهم؟ هل أخطأنا بحق معتقلينا في السجون السورية؟ هل قصّرنا في واجباتنا تجاههم نحن الشعب؟؟؟ لكن لو فعلنا كل ذلك هل كان النظام السوري ليرد علينا خبرا؟ أم كان سينتقم منا عبرهم ويؤذيهم أكثر بعد؟ هل كان سيرضخ لتهديداتنا وسيلتفت لصراخنا لالمنا لحسرتنا لانكسارنا
الجواب: لا اظن انهم كانوا ليعودوا الينا لكن حسبنا كنا أن نحاول. حسبنا…

تباعا تدبر طائرات العالم عن زيارة مطار، صار موقفا ليس للطائرات، انما لصراخ المهوّلين والمهددين، صار محطة، ورقة هزيلة في حبكة سياسية أمنية ضخمة لا نعرف متى تعلن انفجارها الحقيقي. المغتربون يقفون عند حافة اللاقرار في العودة او اللاعودة، السياح انتهى أمرهم منذ أول الصيف، وجه لبنان الحلو تغمره طرحة سوداء قاتمة تخفي المعالم الحقيقية، ونحن؟ نحن نقف الى الرصيف المقابل، الى محطة الانتظار، نترقب النيران الاتية، ننتظر مسافرا لن يأتي، نتلهّف لتلويحة لن تظهر، نتلفت بذعر يمينا وشمالا لنرى لهب أول دولاب، نجتهد لنسمع هدير طائرة لن تبتعد في الافق من جديد، بعدما سُدت في وجهها افق وطن بدأ يعود الى حقيبة السفر، وطن مهاجر هجّر حاله وهجّر ناسه وجعل أرضه مطارا تحطّ فيه رياح الغربة…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل