الحرب الدائرة في سوريا تسببت باضرار بالغة للشعب السوري والمنشآت الاساسية في سوريا كما الابنية وبعض المؤسسات العامة. واذا تم التوصل الى اتفاق لوقف القتال، وتطوير النظام، وبدء العمل على تعويض الخسائر المادية (فالخسائر البشرية الكبيرة لا تعويض لها) سوف يحتاج ذلك الى سنوات والى مؤازرة المجتمع الدولي لمساعي اعادة الاعمار. وهذا التوقع لا يبدو في محله حالياً.
بالمقارنة مع خسائر سوريا، تعرض لبنان لخسائر على حساب الصادرات الزراعية خصوصاً، والحركة السياحية الوافدة من الاردن والخليج العربي والى حد ما العراق. والزوار العراقيون يفدون الى لبنان بالطائرات واعدادهم كبيرة، وهم يتمتعون بسهولة الزيارة والاقامة، في مقابل الفترة التي كانت تحول دون زياراتهم صعوبات في الحصول على الفيزا أوحت بها الى لبنان السلطات السورية. ولعل أكبر خسارة يواجهها لبنان تتمثل في انحسار حجم أعمال المصارف اللبنانية في سوريا و زيادة نسبة القروض الجامدة لديها.
في مقابل الخسائر المشار اليها يحقق لبنان افادة من وجود أعداد كبيرة من السوريين وفدوا الى لبنان لاستعادة أنفاسهم وفي حالات عدة واكيدة لتفحص امكانات العمل والاقامة والدراسة في لبنان. وليس من شك في ان تحسن أرقام المبيعات العقارية خلال الاشهر الثلاثة المنصرمة كان يعود الى اقبال عائلات سورية عدة على تملك شقق أو استئجار شقق في لبنان، الامر الذي حسن التوقعات العقارية. والمطلوب من اللبنانيين، ولا سيما منهم العاملين في المجال الفندقي والضيافة والاستشفاء، التعامل مع السوريين الوافدين من دون محاولة الافادة من معاناتهم النفسية أو المهنية. ولو كان اللنبانيون على حس من الامتنان، لعاملوا السوريين الوافدين معاملة أفضل من تعاملهم بعضهم مع البعض.
الافادة من الحاجات السورية تتعدى نفقات الساعين الى التمتع بجو من السلام والاطمئنان، ومتابعة التحصيل العلمي للاولاد. فلو راجعنا مثلا احصاءات مستوردات المنتجات النفطية في لبنان خلال الاشهر الاربعة الاولى من سنة 2012 لوجدنا ان الرقم بلغ 2629 مليون دولار، في مقابل مستوردات في الفترة ذاتها عن 2011، بلغت نصف هذا المستوى أي 1329 مليون دولار، وهذا الفارق يساوي تقريبا كامل الفارق بين حجم المستوردات الكلي في 2011 خلال الاشهر الاربعة الاولى والذي بلغ 6079 مليون دولار، وحجم مستوردات الاشهر الاربعة الاولى من هذه السنة والذي بلغ 7523 مليون دولار.
الفارق بين الرقمين يعبر عن صادرات مباشرة وغير مباشرة من البنزين والمازوت الى سوريا. ومعلوم ان ثمة تقنينا للمادتين في سوريا، وان تحركات المدرعات والدبابات وناقلات الجند تحتاج الى استهلاك هاتين المادتين بكثافة.
وأحد المعنيين بقطاع النفط في لبنان عزا الفارق بين أرقام 2012 و2011 الى انحسار صادرات سوريا من المشتقات الى لبنان والحاجة الى تعويضها. لكن هذه الحجة غير مقنعة لاننا نشير الى الارقام الكلية للاستيراد والتي كانت تشمل بعض المستوردات من سوريا في 2011. البنزين والمازوت لا يستهلكان لاطعام البشر والحاجة اليهما في سوريا كبيرة، وتصدير المادتين من لبنان كان مستمراً.
أما تحسن الوضع الاقتصادي الى حد بسيط خلال الاشهر الثلاثة المنصرمة، فربما كان يعود الى تدفق السوريين الى لبنان باعداد ملحوظة، كما الى زيادة تدفق اعداد العراقيين الذين يزورون البلد للترفيه والراحة والبحث في مجالات عمل مشتركة. وجدير بالذكر ان العراق كان خلال السنين العشر المنصرمة الساحة الاكثر افادة لعدد من اللبنانيين المقدامين، شركات وأفراداً.
مع الوضع الاقتصادي المتحرك ببطء، هنالك تشنج سياسي بين الافرقاء الاساسيين في البلد، وقد تعمق الشرخ مع اكتشاف فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي خطة التفجيرات التي يبدو انها تشمل مسؤولاً لبنانياً سابقاً ومسؤولين سوريين في مراكز المسؤولية القيادية حالياً. وتعمق الشرخ بين الافرقاء الاساسيين على الساحة السياسية يعني ان الازمة الاقتصادية المتمثلة بتباطوء النمو، وهجرة الكفايات، وتوسع عجز ميزان المدفوعات، وتكاثر الشائعات، لن نستطيع تجاوزها ما لم نقدم على تنفيذ مشاريع أساسية وحيوية يمكن ان تعيد الى لبنان نبضه الانمائي وتساهم في تحسين الرؤية الاقتصادية المستقبلية للبلد.
أمام الجمود السائد في القرار السياسي الاقتصادي والانمائي نكتفي بالاشارة الى ثلاث فرص حقيقية وبالغة الاهمية.
هذه الفرص متوافرة في ثلاثة مجالات، اضافة الى توقعات النفط والغاز التي نلمح اليها في آخر المقال.
الكهرباء، والمياه، والاتصالات هي المجالات التي تسمح بالتعجيل في النمو، زيادة فرص العمل، فسح المجال لاصحاب الاختصاص التقني، تعزيز وضع ميزان المدفوعات عبر تدفق الاستثمارات لانجاز المشاريع في المجالات المشار اليها وتأمين قاعدة النمو المستمر للبنان مدى سنوات.
دراسات الكهرباء متوافرة منذ 1999 وكذلك من الخطة التي أنجزها الوزير باسيل. وبحسب تقديرنا يمكننا زيادة طاقة انتاج الكهرباء 2500 ميغاوات خلال ثلاث سنوات، وتأمين التمويل من القطاع الخاص ان كان هنالك اطمئنان الى حفظ حقوق المستثمرين – مؤسسات وافراداً – والوزير باسيل اتخذ خطوة ايجابية في مجال التمهيد لاشراك القطاع الخاص في تطوير خدمات الكهرباء حين كلف ثلاث شركات عمليات تحصيل الاشتراكات والمستحقات، وتجهيز المشتركين تدريجا بالعدادات الالكترونية. واذا استطعنا التحول نحو استعمال الغاز في المحطات الجديدة، وفي محطتي البداوي والزهراني كما في مصانع الاسمنت، نحقق حينئذ خطوة كبيرة في مجال تخفيف التلوث في لبنان.
موضوع المياه، هو في اهمية موضوع الكهرباء، لكن فوائده أوسع واكثر استمرارية. فتساقط المياه على لبنان من عطاء الطبيعة، والمطلوب من اللبنانيين تنفيذ برنامج موسع لحفظ الموارد قدر الامكان، وتنقية ما هو مخصص منها للانتاج الزراعي، وللاستعمال المنزلي. والدراسات الموسعة وضعتها منذ 1993 احدى كبرى الشركات الاختصاصية، والتمويل مؤكد من الهيئات الدولية، والمعجزة المنتظرة التفات السياسيين الى هذه الطاقة.
أما موضوع الاتصالات، فقد بات من المضجر الحديث عنه، علما بان مساوىء التقطيع للاتصالات الخليوية ورسوم التخابر واعتبار لبنان أسوأ بلدان العالم في خدمات الانترنت، أمور تقزم الدخل القومي بنسبة اثنين في المئة سنويا، كما ان هذا الوضع المعيب يدفع بالشركات الاجنبية واللبنانية الى العمل من خارج لبنان، ولا يخفى ان قبرص التي تعاني ازمة اقتصادية ومالية، توفر خدمات أفضل من لبنان بكثير في مقابل رسوم أدنى الى حد ملحوظ، كما ان معدل الضريبة على ارباح الشركات فيها لا تزيد على 10 في المئة. وهنالك اكثر من شركة لبنانية تجارية واعمارية، ومصرفية وان جزئياً، بدأت تمارس أعمالها من قبرص.
اخيراً كلمة عن الغاز والنفط. الحديث يتركز على البحث والتنقيب في مياه لبنان الجنوبية، وعلى الاحتكاك مع اسرائيل، هذا في حين ان الدراسة الجيولوجية الاميركية تشير الى توافر هذه الثروات على طول الشاطىء الشرقي للبحر المتوسط، ودراسات النروجيين تخطت المساحة الممتدة على كامل الشاطىء اللبناني، فلماذا لا نبدأ البحث في المنطقة الممتدة من البترون حتى طرابلس، والتي كان غسان تويني أرسى قواعدها منذ 1975 بمساعدة خبيرين لبنانيين في علوم الجيولوجيا احدهما المرحوم غسان قانصوه شقيق النائب عاصم قانصوه. وفي حينه استقطب اعلان عن مشروع البحث والتنقيب اهتمام تسع شركات نفطية من أبرز الشركات العالمية، والامر الذي حال دون فتح عروضها، ان القتال نشب في مخيم نهر البارد القريب من مصفاة طرابلس حيث كان من المفترض فض العروض.
على سبيل التذكير اشير الى انني اقترحت في 1980 على الرئيس سركيس، وقد كنت مساعداً لغسان تويني حين توليه وزارة النفط، فتح المجال من جديد لعروض من شركات اختصاصية، فكان جوابه: "اللبنانيون اليوم لا يرزحون تحت الدين، ونزعتهم الى التباهي كبيرة من دون وجود ثروات نفطية، فكيف يكون الامر اذا حققنا اكتشافات". ثم قال: "اذا وجدنا النفط بين البترون وطرابلس، هل تعتبر اننا نستطيع الافادة من هذه الثروات والاطماع حولنا كبيرة".
اليوم تستطيع حكومة نجيب ميقاتي دعوة الشركات لاستكشاف مكامن الغاز والنفط بين البترون و طرابلس دون خوف من الاطماع، كما ان تباهي اللبنانيين تبخر بعد خسائر السنوات المستعصية منذ 1975.