#dfp #adsense

“سماحات” لبنان ومنظومة الشر الممانعة المقاومة

حجم الخط

"عجبت لمعشر صلوا وصاموا
عواهر خشية وتقى كذابا
فإن الشر يصدع فاعليه
ولم أر خيراً بالشر آبا"
أحمد شوقي
 
منظومة الشر المخابراتية أشبه ببيت الدعارة، تبقى الأمور منضبطة فيه على الرغم من الشبهات التي تحوم حوله وحول رواده، طالما أن الأبواب والستائر موصدة بأحكام ولا أحد يدخل ليشارك جب الأسرار إلا الموثوق أو المتورط، ولكن عندما تقع الواقعة بالصدفة أو بالمكيدة، تتخلع أبواب البيت وتمزق الستائر وتكر سبحة الاعترافات والفضائح لتطال القاصي والداني، وكثير من هذه الاعترافات بعدها يصبح شبه مجاني لمجرد الكيد أو الانتقام أو للبحث عن مخرج أو تسوية ما قد تخفف من العقاب.

لا بد من الابتداء بالتنويه الكبير بما قام به فرع المعلومات بخصوص القبض على العميل الإرهابي ميشال سماحة، فهو عميل بالتأكيد لأنه يخدم سراً وعلناً نظاماً يريد الضرر للبنان، وإرهابي بالطبع لأن اعترافاته الأولى، وحتى التي بدلها لاحقاً، تؤكد نيته زرع متفجرات بهدف قتل مجموعة من الناس بشكل عشوائي.

التنويه هو لأن كشف هذه العملية أدى إلى حماية أعداد غير محددة من اللبنانيين من القتل أو الجرح أو التشويه أو الإعاقة، ومنع أيضاً الضرر عن مصالح وأملاك غير محددة.
والتنويه أيضاً لأنه لو تم تفجير واحدة أو أكثر من العبوات لكان احتمال حدوث فتنة لا حصر لتداعياتها هو المرجح.

والتنويه المؤكد هو بالمهنية العالية التي نفذت بها عملية الإيقاع بميشال سماحة من أولها الى آخرها، وهي بالتأكيد نفذت حسب الأصول العالمية في القبض على إرهابيين موصوفين. فلا أظن أن قوى الأمن المختصة في الولايات المتحدة كانت ستتصرف بشكل أكثر "حضارة" لو أن من نفذوا عملية البرجين كان قد تم اكتشافهم قبل التنفيذ. ولا أظن أن الشرطة النروجية كانت لتستدعي السفاح أندرس بريفيك للتحقيق وتترك له الفرصة للهرب لو علمت بعزمه على قتل شخصاً وجرح العشرات في جزيرة أوتاي عندما هاجم مخيم حزب العمال.

وهناك الآلاف من الأمثلة المماثلة في الدول التي تحترم إلى حد الضجر حقوق الإنسان. ولو لم يتقن فرع المعلومات عملية إيقاع إرهابي في الفخ لكان تملص بألف طريقة من التهمة، ولو لم ينقض رجال الأمن عليه في ساعة غفلة لكان اختفى بلمح البصر بالطريقة نفسها التي هرب بها أو أخفي أو حمي المتهمون بتنفيذ اغتيال رفيق الحريري، أو من قتلوا العسكريين في البقاع وغيرهم من "الأبطال الميامين" الذين تحتضنهم منظومة الممانعة في سبيل "حماية المقاومة"!.

لا شك في أن القضية متكاملة قضائياً لدرجة أنها دفعت عمداء "المقاومة" الى ابتلاع ألسنتهم بانتظار "جلاء التحقيق"، هذا من جانب أتباع إيران في لبنان.
أما الوكر السوري فمصاب بكارثة كبرى، فكلنا نعلم أن وجودهم السياسي يعتمد بشكل واسع على "المعالجات الأمنية" التي يقوم بها النظام السوري عادة، وعلى مدى عقود، "لتوجيه الوضع السياسي" في لبنان لمصلحته. هذا يعني أن انكشاف إحدى حلقات الشر التي تعمل بتوجيه ورعاية من مخابرات هذا النظام سيؤدي حتماً إلى انتكاسة كبرى في قدرة العملاء المرتبطين به سياسياً على التأثير في وقائع الأمور على الأقل لأن "عينهم مكسورة".

لا شك في أن الكثير منهم من الوقاحة بمكان لدرجة أنهم سيلجأون إلى أسلوب الفجور في الدفاع حتى عن إرهاب النظام السوري باعتباره "ضرورة قومية ووطنية دفاعاً عن المقاومة ودعماً للمواجهة مع العدو الصهيوني وأمريكا الشيطان الأكبر" وقد فاتهم أن الشيطان الأكبر هو من يفجر العبوات بالناس الآمنين.

لكن الأزمة الحقيقية اليوم التي يعيشها معسكر الممانعة اللبناني بشقية السوري والإيراني هو مخزن المعلومات المخزية الذي يحمله أحد أبناء الوكر المقاوم الواحد. يعني، وبغض النظر عن "صحوة الضمير" المؤقتة والزائفة التي نسبت إلى العميل الإرهابي عندما ووجه بالوقائع هو شكره العناية الإلهية لانكشاف الجريمة قبل حدوثها، فإن ذلك المقاوم العظيم، الذي شهدناه بالأمس القريب يتبختر كالطاووس ويتحدث من أطراف شفتيه عن تحليلاته الرؤيوية التي تربط ما يرى بما لا يرى، مؤكداً تأثير منظومة المقاومة والممانعة حتى على الثقوب السوداء الكونية، ظهر بالنسبة الى رفاقه الميامين، رواد الوكر نفسه، ضعيفاً وجباناً عندما انهار بسرعة أمام الوقائع، مما يعني أنه قد يبوح بكل أسرار الاوكار، فتكر سبحة الإعترافات، وينهار بيت الدعارة على من فيه من عاهر وتاجر ومأجور.

ولكن ما يدعو للحزن العميق، هو أن حتى هذه الفضيحة المجلجلة لن تؤثر بشكل ولو هامشي على الإصطفاف في معسكر قوى الثامن من آذار القيادي والشعبي، مع أنه لو حدثت هذه الفضيحة في مكان آخر لمحت فريقاً سياسياً بالكامل من الوجود.

وعلى مستوى القيادة معظمهم شركاء في "السماحة" بطريقة أو بأخرى، وقد يكون بعضهم أو أكثرهم أكثر "سماحة" من ميشال، ومسوغاتهم "الأخلاقية" حاضرة على طريقة "ميكيافيلي"، فالغاية تبرر الوسيلة مهما كانت شيطانية.

أما على المستوى الشعبي فما المرتجى ممن وزع الحلوى في الشارع فرحاً عندما تناثر جسد جبران تويني على شجر الصنوبر؟ وما المأمول من أمثال تلك المذيعة الأنيقة والفاتنة التي قالت "عقبال أحمد فتفت" عندما احترق وليد عيدو وابنه وبعض عابري السبيل الذين صوُدف أنهم ربما من جمهور المقاومة؟ وما يمكن أن يقال عمن آمن بما قاله سيده بأن يوم السابع من أيار يوم القتل والحرق والدمار، هو "يوم مجيد من أيام المقاومة"؟.
وللأسف فالشيء نفسه قد ينطبق اليوم على معظم جمهور آذار لو وقع الضرر على الطرف الآخر.
المخيف هو أن يعم منطق "السماحة" على معظم الناس وساعتها لا يبقى إلا طوفان جديد ونوح جديد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل